ومن الواضح أن هؤلاء قد فهموا الحرية فهما فوضويا، لا يقيم حسابا لغير الذات والأهواء الفردية، وهو ما وقعت فيه المدنية الرأسمالية حينما شجعت الفرد ووضعت خلقيته معيارا أساسيا لاجتماعيتها، الأمر الذي هدَّ قاعدة الأخلاق وارتقى بقيم الانحراف والشذوذ إلى صعيد اجتماعي معترف به ولا غضاضة فيه..
لذا كان النورسي يُحذِّر من مغبة إطلاق الزمام للنوازع باسم الحرية، وكان يدعو إلى ضبط الدوافع بضوابط الشريعة "..قيدوا الحرية بآداب الشرع لأن عوام الناس والجاهلين يصبحون سفهاء وعصاة وقطاع طرق، فلا يطيعون بعد أن ظلوا أحرارا سائبين بلا قيد ". (1)
ولقد كان على وعي يومذاك بما تشيعه الصحافة وكتابها من رعونة خلقية وتخطٍّ للفضيلة والذوق، لذا راح يخاطب المتحللين بما يقيد من جموحهم:
" يا أرباب الصحف .. على الأدباء أن يلتزموا بالآداب، وعليهم أن يتأدبوا بالآداب اللائقة بالاسلام، فينبغي أن تكون أقوالهم صادرة من صدور لا تحيد لجهةً، ومن قلوب عموم الناس، فيشترك معهم عموم الأمة."(2)
وظل يهيب بأبناء وطنه أن يرتفعوا في فهمهم وتفسيرهم للحرية إلى مرتبة بناءة ونيرة وجديرة بأن تجعل منها شرطا انسانيا يدفع بالأمة في وجهة التعمير والتنوير والطهارة، وذلك بالأخذ بتلك الفضائل التي كان الاسلام قد سلح بها جموع الأسلاف في مطلع انتشاره حين سار بهم على طريق الفتح وسيادة العالم بالحق :
(1) صيقل الإسلام ص .444.
(2) صيقل الإسلام ص.444 .