تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن تلك الصلة العارية من قيم التقوى والارعواء ستكون غاية في الاستبداد، لأنها ستقوم على الأهواء والمزاجية وعلى تقلب المواقف ..

لقد كان النورسي يتخوف من أن يؤول وضع الأمة تحت لواء الدستور إلى واقع استبدادي لا رحمة فيه، ذلك لأنه رأى أن تلك الزمرة المتلصصة لا تفتأ تسدد طلقاتها ضد الاسلام مرددة ما كانت أوروبا تشيعه زورا وتحاملا عن الاسلام والديانات عموما، مستغلة في ذلك التشنيع، مظاهر الضعف التي كانت تسود المجتمع الاسلامي، وهو ما كان يقلق النورسي ويؤلمه، لأنه كان يرى وجه المغالطة فيه سافرا. يقول :

" إن أوروبا تظن الشريعة هي التي تمد الاستبداد بالقوة وتعينه، حاشا وكلا.. إن الجهل والتعصب المتفشيان فينا قد ساعدا أوروبا لتحْمِل ظَنًّا خاطئا من أن الشريعة تعين الاستبداد، لذا تألمتُ كثيرا من أعماق قلبي على ظنهم السيء هذا بالشريعة، فكما أنني أكذِّبُ ظنهم فقد رحَّبْتُ بالمشروطية باسم الشريعة قبل أي شخص، ولكني خشيت من أن يقوم استبداد آخر لتصديق هذا الظن، لذا صرخت من أعماقي وبكل ما أوتيت من قوة ، وقلت : افهموا المشروطية في ضوء المشروعية وتلقوها على أساسها، ولقنوها الآخرين على هذه الصورة كي لا تلوثها اليد القذرة لاستبداد جديد متستر وملحد باتخاذ ذلك الشيء الطيب المبارك ترسا لأغراضه الشخصية ".(1)

لقد كان النورسي يرى أن الممارسة السياسية الفعالة لا تقوم في مجتمع يدين بالإسلام إلا إذا احترمت قواعد الشريعة ..

من هنا يتبدى التوازن والسماحة اللذان ميزا مواقف النورسي، خاصة منها تلك التي سبق وأن ألح فيها على عدم الأخذ بالسمة الدينية شرطا للتكليف بالخدمة العمومية، إذا ما كانت كفاءة المترشح تؤهله لأداء الواجب الموكول إليه..

(1) صيقل الإسلام ص 443.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٤٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٤٣٩