تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إن حديثه بهذه الصيغة يسع الشعوب الإسلامية قاطبة، لاسيما تلك التي كانت تنتسب برباط السياسة والعقيدة إلى الخلافة العثمانية، إذ أن بوادر التفكك كانت تتفاقم داخل كيان الأمة، بسبب ما غرس العدو والأذناب في الأفكار من توجهات قومية تفككية..

فالنورسي من خلال هذا الحدب الذي طفق يقرب به بين القوميتين الكردية والتركية، بل والقوميات الإسلامية كلها، يكون من غير شك قد أبدى قدرا طليعيا من الوعي والإدراك لعوامل الشقاق التي كانت تتفشَّى بين أجزاء العالم الاسلامي وتهز أسس الخلافة، مستغلة ما يعرو الحياة السياسية من مظاهر التأخر والاستبداد وعدم الوعي بمخاطر الفرقة والانقسام..

وكان على النورسي- من جهة أخرى - أن يتصدى إلى الأحكام المسبقة والمغرضة التي كانت أوروبا وأتباعها يرمون بها الشريعة، ويصورونها بها في أشنع الصور، مستثمرين من أجل تكريس اتجاههم التحقيري، جهل الطبقة الحاكمة ومعاداتها لدينها

من هنا دأب النورسي ينافح على الشريعة، لأنه كان يحس بأن الطعنات التي شرع الاستيلابيون يوجهونها إلى الإسلام والشريعة، إنما تَنِمُّ عن مقاصد مصيرية لا تبعث على الطمأنينة ..

لقد كان يُقَدِّرُ أن الحكم الدستوري، إذا ما ألقى بالشريعة عرضا وظهريا، فإنه حتما سينقلب إلى استبداد أرعن لا يدانيه ما عرفت الأمة من استبداد في ظل الخلافة.. فهو يدرك أن دماثة الدين تفلح إلى حد ما في تفتير غائلة الغشم والرعونة حتى بالنسبة للطغاة متى ما ظلوا على أدنى صلة بالدين.

إذ أن طبيعة الحكم الديني – وإن كانت صورية - تهيء أثرا من خُلُقية الإغضاء والرأفة واصطناع المحاسن، لأنها تجد نفسها مجبرة على إظهار بعض ما تتميز به العقيدة من سماحة ومرحمة، الأمر الذي يجعل الحكام يتحلون ولو شكليا بالخلق الودي .. على عكس الصلة الحاكمية حين تتجرد من الوازع الروحي وتتحلل من الضوابط الجماعية التي تقوم أساسا على العقيدة المشتركة..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٤٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٤٣٨