هذه هي أهم الاسباب التي أناط النورسي بها أسباب حطتنا ومواتنا، وهي -ولا شك- أسباب قد استوعبت وجودنا في شتى أبعاده النفسية والروحية والمادية ..ذلك لأن النورسي كان يدرك أن الأمة زايلتها - بالفعل - هِمَّتُها، وهو ما جعله يقرر أن حالها بات من حال بعض شعرائها المحبطين، ممن طفق يعلن ويعيد :
" إذا متُّ ظمآنا فلا هطل القطر "..
وهو مصير اندحاري، انتحاري، عدمي.. ترفضه سنن الحياة، لخروجه عن قاعدة الاستمرار والتواصل وتجاوز الهزات..
ولا شك أن الإحساس بوطأة الواقع المتجزئ والمفكك الذي كانت مساعي التتريك تسعى إلى تكريسه قد أظلت بسحبها الدكناء، هذا التشخيص الذي أعرب عنه النورسي حيال وضع الأمة، من هنا ألفينا رؤية النورسي تضع في حسابها الحاجة إلى ترسيخ روحية مِلِّيَةٍ يستشعر فيها كل مسلم حقيقة انتسابه إلى أمة لا يتميز مصيره الفردي في كنفها عن مصير الجماعات مهما أحاط هذا الفرد نفسه بالمزايا والامتيازات..
وطبيعي أن يكون حال الجماعات والأوطان في هذه الشأن حال الأفراد، من حيث تبعيتهم للأمة وتأثرهم - سلبا وإيجابا - بما يجري عليها من ظروف وتقلبات..
لقد كانت المشروطية تمثل - في نظر النورسي - الإطار المناسب والممكن الذي تطبق فيه الشريعة على صعيد تحديث المجتمع وتطويره والخروج به من حال الابتئاس الحضاري المفجع.. لقد كانت مواد الدستور وروحه مرتبطة في كليتها تقريبا بروح العقيدة، ولذلك وجدنا النورسي يؤكد للأتباع " أن نسبة الأخلاق والعبادة وأمور الآخرة والفضيلة في الشريعة هي تسع وتسعون بالمائة، بينما نسبة السياسة لا تتجاوز الواحدة بالمائة". (1)
وكان من شأن هذه الرجاحة الشرعية الدستورية حسب اعتقاده أن تعمل على تهييئ الأمة لشق طريقها نحو الرقي والأخذ بأسباب القوة التي يمتلكها الأعداء.. " إذ الرقي المادي سبب عظيم لإعلاء كلمة الله في هذا الزمان". (2)
(1) صيقل الإسلام ص 446.
(2) صيقل الإسلام ص.446.