من هنا رأيناه ينخرط في مهمة تطوعية يتولى خلالها شرح أبعاد الانقلاب الدستوري للقبائل والعشائر الشرقية، الكردية، بل لقد رأيناه يبادر إلى مراسلة تلك الأقاليم منذ الأيام الأولى بالبرقيات المُطَمْئنة، ليؤكد لهم :" إن المسألة التي سمعتموها وهي المشروطية والقانون الأساسي ماهي إلا العدالة الحقة والشورى الشرعية تلقوها بقبول حسن، اسعوا للحفاظ عليها، لأن سعادتنا الدنيوية في المشروطية، فلقد قاسينا الأمرين من الاستبداد أكثر من الآخرين.." (1)
لقد أوردنا هذا النص التحريضي الذي أبرق به النورسي إلى أهاليه، لنقف على مدى حدبه على الدستور، ولنتبين رغبته المتأججة في جعل ذلك الدستور ينال القبول الجماهيري.. ولنتأكد من صدق العزيمة التي تجنَّدَ بها في الدعوة إلى الدستور ..
لقد كان في تلك البرقية يخاطب بني قوميته، فكان طبيعيا أن يصطنع ضمير المشاركة (نا) .. لكنه من جهة أخرى لم يقع في وحل الشوفينية أو العشائرية المقيته، لأنه أسند دعوته بالشرط الروحي والاجتماعي الذي كان يرى الدستور يتوفر عليه ويضمنه .. وهو ما أكده في قوله: " .. فماهي إلا العدالة الحقة والشورى الشرعية ".(2)
من هنا كان انخراطه في الدعوة وفي شرح غايات الدستور انخراطا عمليا خالصا وجارفا جعله يطرق سائر الأبواب، فقد سار في الحارات وتنقل عبر المقاهي، وجال خلال الأقاليم، وحاور العلماء المترددين.. وكل ذلك يبين الطموح التغييري والإصلاحي الذي كان يحدوه ويهون عليه أن يتحمل ما تحمل تطوُّعا، ومن غير ما تكليف من أحد أو تجنيد ..
ذلك لأن النورسي كان جازما من أن الإنجاز الذي تحقق للأمة من خلال صدور الدستور، هو ثمرة من ثمار الحركة الإصلاحية التي باشرها نفر من معاصريه منهم الأفغاني وخيرالدين التونسي وعبده وآخرون في بلاد اسلامية أخرى ..
(1) صيقل الإسلام ص 441.
(2) صيقل الإسلام ص 441