تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أن النورسي بوجوده داخل النظام أو قريبا من دوائره، بوصفه أحد الوجهاء الروحيين الذين كانت السلطة الجديدة تقربهم، كان واثقا من أن الانحراف لن يقع، وأن عين المسلمين لن تسمح للنظام الجديد بالتفريط في مقومات الأمة الروحية والسياسية، لكن الذي حدث خالف آمال النورسي، الأمر الذي جعله يسارع إلى الانسحاب وإلى غسل يديه من عفن السياسة، لينطلق في وجهة أخرى، وجهة جعل قاعدتها الضرب صفحا عما أتاه في ظل نظام فجعه بتنفيذ برامج تكرس الزندقة والمروق، ولعل أشنعها كان حادث إسقاط الخلافة، تلك المؤسسة المقدسة بما ترمز إليه من معاني التاريخ والحضارة والدين..

وإنه لثابت أن النورسي كان من أسبق المتنبهين إلى انحراف النظام الانقلابي، بل لقد تكررت منه التنبيهات التي طفق يوجهها إلى أطراف ذلك النظام ووجوهه، من أجل أن يثبتوا على الجادة الشرعية .. وإن خطبته مثلا في البرلمان لشاهد على اليقظة التي كان يترصد بها الوضع من حوله، بل إن كل مواقفه التي أعقبت الحرب الكونية الأولى وانخراطه في السياسة، لَتفيد أن الرجل كان يستشعر فعلا نوعا من القلق الروحي نتيجة افتقاده الإطار الجماعي الذي يتيح له أن ينشط وينفذ البرنامج الانبعاثي الذي كان يثوي في ضميره ..

ومن غير شك أن انتسابه إلى الاتحاد المحمدي إنما يُعَدُّ لفتة أخرى كان يتحسس بها طريقه في إطار بحثه الدائم عن الوسط الحي المنسجم مع رؤاه الإسلامية والإصلاحية الشاملة ..

لقد مضى النورسي يصعد من دفاعه عن المشروطية ،وكان يعتقد أن أولئك القلة من المتغربين الذين كانوا ضمن صفوف تنظيم (جون تورك)، لا يؤثرون في توجيه الأحداث والتاريخ، ما دام الرأي لا ينعقد إلا بإجماع الأكثرية..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٤٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٤٣١