ومن الواضح كذلك أن حرصه على دفع العملية السياسية في اتجاه يخدم الإسلام كان يدفع به إلى ابداء تلك التكييفات التي كانت تعزز من مكانة الدولة وتوضح دورها ومجال مسؤوليتها على الصعيدين المدني والديني..
وقد أبدى النورسي - فعلا - مرونة تكيفية كفلت جو العمل للدوائر الحكومية بصورة تحد من تضارب الاختصاصات، إذ لا ننسى أن المرحلة كانت انتقالية، وأن تقسيم المهام والسلطات كان أمرا جديدا، لا بالقياس إلى النظام فحسب، ولكن بالقياس إلى الجماهير على وجه الخصوص، تلك الجماهير التي كانت ترى في ما يطرح من أفكار تدعو إلى تحديد السلطة الروحية أو تحجيمها، ما يهيج المشاعر ويتنافى مع مطامح الأمة، لا سيما وأن تلك الجماهير كانت ترى تصعيدا متزايدا لوتيرة التوسع الذي أخذته السلطة المدنية وتنظيماتها في دولة لا تني تنادي بتصميمها على أن تكون عصرية، وأنها لن تدخر جهدا من أجل إلغاء كثير من نظم الماضي وقيمه، وهو ما كان يبعث في الجماهير الفزع، إذ كانت تتأذى بما كان يتهدد معتقداتها ومقدساتها.
كما لا ينبغي أن ننسى في هذا الصدد، أن النورسي- في نشاطه الفكري التنويري، وخاصة من خلال ما يصدره من فتاوى تُوَسِّعُ على ألوان من النشاط المدني الذي جاء به الانقلاب - كان لا يخالجه ريب من أن الخلافة ستستمر في أداء وظيفتها الروحية، إذ لم يكن يستريب قط في أن ما كان يحدث داخل الأجهزة والدواوين الحكومية من تجديد وانفتاح على الحياة الاجتماعية والمدنية إنما كان تجديدا للروحية العامة للأمة والدولة، تجديد ستحيى معه القيم الدينية، وسيكون الانطلاق نحو المستقبل متوازنا ومحققا..