ثم يستطرد النورسي بعد هذا فيضيف : "ولئن صدقت المشروطية فالقائمقام والوالي ليسوا رؤساء بل خدام مأجورون، فغير المسلم لا يكون رئيسا مطلقا، بل يكون خادما، فلو أن الوظيفة والأمارة ضرب من الرئاسة والسيادة، فإن اشتراك ثلاثة آلاف غير مسلم في سيادة رئاستنا يفتح طريقا إلى الرئاسة أمام ثلاثمائة ألف من إخواننا المسلمين في أقطار العالم، فالذي يخسر واحد ويربح الألف لا يتضرر".(1)
وهنا يسألونه عن صلة بعض أحكام الشريعة بولاية الوالي، فيجيبهم قائلا:
"إن الذي يمثل الخلافة بعد الآن هو بالضرورة المشيخة الاسلامية ورئاسة الأمور الدينية، وستكون ممتازة ومقدسة سامية، منفصلة عن الكل .. فالمستولي الآن ليس شخصا فردا ،بل الأفكار العامة، لذا هناك حاجة إلى شخصية معنوية مثلها تكون أمينة على الفتوى..".(2)
إن التأطير الديني العام الذي كانت تنهض به الخلافة، كان قمينا بأن يصون المجتمع من وطأة الفيئات التي تدير أنشطة ومسؤوليات داخل مرافقه ومؤسساته ، وهي ليست على عقيدة المسلمين .. وهو ما كان يسوغ للنورسي الفتوى بجواز ادماجهم في هيكلة الدولة ما داموا سيجدون أنفسهم حتما ينشطون ضمن أخلاق الأمة وروحيتها، أي ضمن روح وثقافة الإسلام..
أجل إن هناك ميادين كبرى تحتاج من المسلمين اليوم إلى أن يحسموا فيها الرأي الشرعي، على ضوء المصلحة العليا للأمة وحفاظا على أسس دينهم ..
وإن النورسي الذي تجاوز - بفتواه هذه - إشكال العلاقة مع الذمي ومن هو خارج نطاق الأخوة الدينية، قد فتح كوة في وجه الاجتهاد الحصيف، وقرب المصلحة العليا من القراءة الفقهية الواعية.. وخطا خطوة حاسمة ما زالت تحتاج التعميق من قبل المسلمين، كي يتحولوا إلى فاعلية وحضور يرضاه الله ورسوله لهم..
(1) صيقل الإسلام ص 404.
(2) صيقل الإسلام ص 404