وفي هذا الصدد نجد النورسي يتنبه إلى جوانب سلوكية كان يرى أن مراعاتها شرط ضروري لتحقيق الاستقطاب وتوسيع دائرة الإيمان في المجتمع الإسلامي.. من ذلك مثلا نصحه بعدم هتك الأستار دون الخطايا أوالنبش عنها في الضمائر، مخافة تثويرها وإتاحة الفرصة لتعميم شرها: إذ لا ينبغي أن يهاجم ما في ضمائر البعض من سوء، لأن هناك كثيرا من السيئات كلما بقيت مستورة تحت ستار الحسنة ولم يمزق عنها حجابها وتغوفل عنها، انحصرت في نطاق ضيق وربما يسعى صاحبها لإصلاحها تحت حجاب الحياء، ولكن ما أن يمزق الحجاب ويرفع حتى يرمى بالحياء فيزال، وإذا ما أُظهر معه الهجوم، فالسيئة تتوسع توسعا هائلا.." (1)
ومن الواضح أن النورسي بهذا التوجيه، إنما كان ينسجم مع فلسفة السماحة التي اعتقدها والتي أشرنا إليها سابقا.. فلسفة الغض عن الأذى لأنها تراهن على الأدوم والأبقى والأنقى..
على أنه لا يفوتنا أن ندرك أن النورسي بإشاعته مثل هذه الروح التطمينية، المهادنة، إنما كان يرسي لسياسة لبقة تشد ولا تدفع، تستميل ولا تنَكِّرُ، لقد كان في تلك المرحلة الفجرية يَحْذَرُ أيما حذر من أن ينقلب الماسونيون - ممن كانت جمعية الاتحاد والترقي وجون تورك تضمهم - فيتنكروا للاسلام، ولذلك عمل ما في وسعه على أن يحول بينهم وبين الجماهير لئلا يقع التصادم ، دافعا من خلال توجيهاته تلك الجماهير إلى أن تحسن سياسة تلك الزمرة، وأن تتحاشى التصادم معهم ،وأن تعاملهم بأسلوب يتفق ومصلحة الاسلام :
(1) صيقل الإسلام ص.406.