تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن غير ما شك أن المرونة المدنية الرشيدة التي ظل النورسي يعرب عنها في فتاواه، لاسيما حيال منجزات الغرب المادية التي كانت تنتهي إلى حظيرة المجتمعات الاسلامية، إنما كان الهدف منها تربويا، إذ كان يتوقع أن يكون لتلك المستجلبات الارتفاقية أثر على إيقاظ الأمة وتيسير أسباب الوعي وسبله أمامها، والدفع بها إلى الأخذ بما كانت الأمم الحية تأخذه به، فمن شأن التمرس بتلك المكاسب أن يذلل الطريق في وجه الإبداع أمامها..

النورسي وفلسفة التسامح

على أننا لاننسى أن النورسي كان صاحب فلسفة إغضائية، سمحاء، متفتحة على الأخذ بكل ما كان يقدر فيه مصلحة للاسلام والمسلمين.. وربما بدت جوانب من فلسفته تلك في سياسته إزاء خصومه، فقد كانت لا يناددهم عيانا، إذ أن انشغاله بما هو أهم من الغايات، كان يجعله كالغائب عنهم، فتفكيره كان مركزا على واقع ملي انبعاثي يستغرقه كلية، ولا يترك له السانحة في تقويم علاقته مع الأعداء إلا إذا فرض عليه ذلك فرضا..

بل لقد وجدناه يلزم تلاميذه باتباع قواعد تلك الفلسفة، وتجسيد مبدإ التسامح والإغضاء في سلوكهم وحياتهم، كلفهم ذلك ما كلفهم، حتى لا يتحول بهم الاشتغال بالعوارض عن الهدف الروحي الأسمى..

بل لقد وجدناه يعلن أنه مع مبدإ التنازل للباغي وإنصافه لقاء إماتة الفتنة.. وأنه مع سياسة دعم المبطل اتقاء الفتنة .(1)

لقد نمَّى النورسي روحا تعاملية لم يحصرها في نطاق داخلي يربط المسلم بجماعته وأمته فقط، ولكنه جعل تلك الروح التعاملية تمتد إلى نطاق يشمل الآخر، أي الأجنبي .. من هنا يمكننا التحدث عن إسهام إيجابي قام به النورسي في مضمار بلورة الخُلُقية الإسلامية والمضي بها نحو صعيد تتجاوز به إعاقة الانطواء التي لحقتها بفعل الانحطاط وطول الانغلاق..

(1) الشعاعات.379.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٤٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٤٢٤