يقول النورسي منطلقا من التاريخ الإسلامي الفجري، في تجلية الوجه الشرعي للمسألة : "لقد حدث انقلاب ديني عظيم في العصر النبوي السعيد، وجَّه كل الأفكار والأذهان نحو الدين، فارتبطت بالدين جميع الحسيات والمشاعر، فكانت العداوة والمحبة تدوران حول ذلك المحور ( الدين)، لهذا كانت تشم رائحة النفاق من المحبة مع غير المسلم، ولكن الانقلاب الحاضر العجيب في العالم هو انقلاب مدني ودنيوي.
فالمدنية والرقي الدنيوي يجذبان العقول كلها ويشغلانها ويشدان بهما جميع الأذهان، فضلا عن أن معظم غير المسلمين ليسوا ملتزمين اِلتزاما جادا بدينهم أساسا.. فعلى هذا فإن محبتنا لهم ما هي إلا لاقتباس ما استحسناه من مدنيتهم وتقدمهم ، ولأجل المحافظة على نظام البلاد وأمنها الذي يعد أساس سعادة الدنيا، فهذه الصداقة إذاً لا تدخل قطعا ضمن النهي القرآني..".(1)
لقد كان هذا التوجه الخلقي والتعاملي الرشيد الذي أبداه النورسي في تلك المرحلة، منطلق سياسة سلوكية وتدبيرية سيتمخض عنها ما يمكن أن يسمى فقه التمثُّل .. وهو فقه يدور حول مشروعية الوارد من القيم ومن المصالح الاستنفاعية التي يقتضي تنفيذها اشتراك الأجنبي أو مباشرته الإشراف عليها ..
ولابد أن نقدر المرحلة والظروف التي كان النورسي يعبر فيها عن آرائه الشرعية هذه .. إذ كانت البيئة الاسلامية منغلقة انغلاق نفور ينقصه الوعي الحقيقي بالمصلحة.. وذلك الانغلاق كان العدو يعمل على استبقائه، ولا يجعل له بديلا سوى الذوبان والتفسخ..
فقد كانت نظرة التقويم الفقهي التي تناول بها النورسي هذه المسألة نظرة إيجابية في جملتها، ذلك لأنه ربطها بالفائدة المادية والمدنية التي يجنيها المسلم من وراء ذلك التعامل، لا سيما على صعيد تقوية الذات وتوفير شروط نهضتها..
(1) صيقل الإسلام ص 400