لقد رابط النورسي بمثل هذه المواقف في خندق متقدم من المعركة ومضى ينافح من موقف شرعي عن النظام الجديد ويناصر التحول، وهذا باستقراء الحجج الشرعية للمجريات، كل ذلك من أجل أن يستمر المسار، وتتحقق العافية للأمة ويحيى دينها..
لقد كان النورسي يُلِمُّ بأبعاد الإشكال العلائقي الذي كان التحول السياسي يطرحه على المسلمين في تركيا وفي غيرها من البلاد المسلمة، إذ أنه تحول يفرض مسطرة من التعامل لا مندوحة للمسلمين عنها..
من هنا راح النورسي يعالج قضية التعاون مع الأجنبي الملي، ناظرا إلى الأمر بمنظار إجتهادي يعي متطلبات التطور.. فكان من ثمة تأويله لتلك الآية:( لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء) يضع مصلحة الأمة في مركز اهتمامه، وهو ما جعله يُرَخِّصُ التعامل مع غير المليين، مراعاة لمقتضى الحاجة..
ومن الجلي أن يأتي هذا الترخيص متساوقا مع فتاوى سعت منذ القرنين الماضيين، أي منذ أن أظلت الظاهرة الاحتلالية أطرافا من البلاد الإسلامية، إلى إلغاء الحواجز النفسية والروحية بين الأمة وبين أعدائها، ممن أملت الظروف والضرورات الحيوية عليها أن تتعامل معهم بيعا وشراء واستفادة من مدنيتهم وحضارتهم ..من هنا كان التوسع التأويلي يتيح للمتنورين من أهل الإجتهاد، أمثال النورسي أن ييسروا سبل النفع أمام الأمة ..
إذ أن الاعتبارات التي تكون هذه الآية، أو غيرها، قد قرئت بها في العصر الإسلامي الأول، لابد وأن تكون قد انفتحت على مستجدات جعلتها تتسع لتأويلات تتلاءم مع روح الدين وتراعي المصلحة العامة للأمة، وذلك ما يراعيه الإسلام ويتقبَّلُه ويحدو الآراء السديدة أن تأخذ بها ..