من ذلك حديثه عن الحمية والنجاعة، وضرورة اِسناد المهام لغير أهل الملة.. من منطلق الكفاءة والضرورة العامة..
فالحمية الروحية والالتزام الديني والإخلاقي - بحسب النورسي - هما مناط النفاذ والتفاني وتحدي العوائق .. فمن لا روحية أخلاقية وقلبية له لا يمكن أن يتمادى في التحدي والاستمرار في البذل ..
لكن النورسي لا يلبث أن يتدارك حكمه هذا، ويعلن أنه ينبغي علينا أن نميز بين الكفاءة وبين السلوك، فصاحب الكفاءة مقدم على صاحب السلوك بالنظر إلى النفع العام الذي يتحقق للمجتمع الاسلامي جراء توليته.. " فقد يقوم الفاسق برعي الأغنام رعيا جيدا، وقد يصلح شارب الخمر ساعة بإتقان حين لا يكون سكران.. فإذاً إما الصلاح، وإما المهارة.. وإذا تعارضا فالمهارة مرجحة في الصنعة " (1)
ولا شك أن رؤية النورسي هنا هي على مستوى من الاستنارة وطيد، فهو بهذا الحكم يذكرنا بما كان لعمر (رضي الله عنه) مع شعبة يوم أن أمَّرَهُ (رضي الله عنه) على البصرة، فقد لاحظ شعبة ذات فجر أن الخليفة يستقرئ وجوه المصلين في المسجد، فتقرب منه وسأله .. وحين أعلمه (رضي الله عنه) بأنه كان يبحث عن أحد يؤمره، أجابه شعبة جوابا يطابق نظرة النورسي في وجوب تقديم الكفء على المتخلق..إذ قال له شعبة : أن الكفء يعود نفعه على الجماعة والمجتمع، فيما يعود صلاح الفرد إليه في نفسه وحده .. أو كما قال..
ولا شك أن نظرة النورسي هذه إنما كانت تستجيب لتساؤلات كانت ترتفع إزاء مظاهر سلطوية تعطي التقدمة لمن لا حماس ديني له، بل ولمن لا دين له أو لمن كان على غير الدين الإسلامي.. فكان النورسي يكيف ذلك الواقع مع الشرع، ويجد له التبريرات، اعتقادا منه أن ضرورة التغيير تملي ذلك النوع من الغض والتغاضي عمن تقدمهم السلطة الجديدة لأداء مهام ومأموريات..
(1) صيقل الإسلام ص 393.