تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد ألفيناه يعترف أن بعض آماله الإصلاحية والتي عبر عنها حينذاك كتابة، إنما كتبها تحت تأثير الانقلاب السياسي الذي شهد ميلاد المشروطية، حيث كان المتنورون من أبناء الأمة يرجون أن يكون ذلك الحدث بداية للإقلاع الحضاري، ونهاية لعصور الاستبداد والتسلط وهجران قاعدة الشورى..

فلقد تكشفت الوقائع لأولئك المتفائلين، ومنهم النورسي، أن ما كانوا يظنونه استبدادا تمارسه الخلافة في عهد السلطان عبد الحميد، لم يكن إلا ظلا، قياسا بالاستبداد الغليظ الذي تردت فيه الأمة حين تولى الانقلابيون أمرها ..

لقد تلاحقت الأحداث في عهد المشروطية بحيث تبيَّن للمخلصين أنهم أخطأوا حين راحوا يسايرون الانقلابيين ويظاهرونهم على صعيد واحد، فلقد انطوت عليهم الخدعة بموقفهم ذلك، إذ ساهموا في إحداث الثورة ضد عبد الحميد، ومهدوا السبيل عريضا في وجه تنفُّذ العصاة والاستيلابيين..

من هنا كان لزاما على الداعية أن يراجع ما أقرَّهُ وما دعا إليه في خضم تلك الوقائع، تصحيحا للمواقف واتعاظا بالمجريات، فلا غرو بعد هذا أن نجد النورسي يمارس سلخا ذاتيا وإراديا يتحلل فيه من مسؤولية ما أتاه في مراحل من عمره، بسبب تقديرات سياسية كانت تسير بالأحداث في غير الاتجاه الذي أمِله لها..

من هنا ظهرت شخصية سعيد القديم، ذلك الإنسان الذي كَاَنَهُ النورسي ولم يَعُدْهُ الآن .. إنها سيرة إصلاحية لا تتردد في اعدام ماضيها كفارة وتوبة.. (1)

لقد رأيناه يتحدث عن الحَمِيَّة فيقر أن صورتها الكاملة إنما تتوفر في القلب المزدان بالفضائل الاسلامية، فالقلب الذي لا تزينه الأخلاق الإسلامية لا ترجى منه الحمية الحق، والوفاء الصدق، والعدالة الخالصة ..(2)

لقد كان عليه في غمار تلك التحولات أن يجد التسويق لمظاهر كان يعتقد أن عهد الحرية والمشروطية يقتضيها..

(1) صيقل الإسلام ص 382.

(2) صيقل الإسلام ص.393.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٤١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٤١٧