لقد مضى النورسي يحصي أنواع الأمراض والعقد التي استحكمت في نفسية الأمة ومضت تكرس فيها أسباب الضعف والاختلال، ولعل من أَهم هذه الأمراض عقدة حب الذات المشروطة بنزعة ثلب الآخرين .. فهذه العقدة - بحسب النورسي - هي التي تعمق في المجتمع روح القمع، إذ لا سيد إلا من امتلك السيف .. وهي التي ترسخ فيه روح السلبية، إذ لا فاعل ولا مدبر ولا مقرر ولا متصرف ولا مشير، إلا الحاكم.. من هنا تعيش الأمة عالة على الفرد، والزمرة، لا لأنها اختارت ذلك الأسلوب من العيش، ولكن لأنها حُمِلَتْ على أن تكون سائمة يهش عليها الراعي بعصاه ويسيج من حولها بالأسلاك الشائكة..
كما لاحظ النورسي ما كان لوطأة النباهة العَقُوق، أو ما أسماه : الذكاء العاصي" من أثر خطير على ترسيخ سلبية الأمة، إذ كان هناك من حكامها من امتلك الذكاء والألمعية ولكن من غير أن يكون له وازع إيماني يصقل تلك النعمة العقلية التي أوتيها أولئك الحكام، والتي صرفوها في ما يضر ويشقي، لقد استحالت تلك الألمعية والنجابة الذهنية لدى حكام السوء إلى علة لشقاء الأمة وامتحانها بأفاعيلهم ومنكراتهم .. لأنها نجابة غير محصفة بمشكاة الإيمان..(1)
وواضح أن حديث النورسي هنا يحيل على مسميات ووقائع بعينها..
النورسي يداوم على تصحيح مواقفه عبر مراحل مسيرته
وينبغي أن نسجل هنا واقع التصحيح الذي لازم به النورسي نفسه، إذ داوم على قراءة أحداث سيرته وتكييف مواقفه في ضوء الوقائع ومع تقدم العمر به .. وهو ما يسجله في "المناظرت"..
فقد لمسنا طيفا من ندامة يُظِلُّ كلماته حين مضى يُبين كيف أنه أخطأ في تقرير بعض ما قرر في مستهل دعوته، فقد اعترف أنه يومها أبدى من الحماس ما لم يسعه معه إلا أن يعرب عن تفاؤل إزاء بعض البشائر والتوقعات التي لاحت له في الأفق والتي أمِلَ من خلالها أن تدشن للأمة عهدا من الاستنارة والرشاد ما يجعل النهضة في متناول يمينها..
(1) صيقل الإسلام ص370 .