المسلم يرسف في قيد العقد
لقد شخص النورسي العلة التي تعيق المسلم، فردا وجماعة ومجتمعا، عن اعتناق الحياة الفاعلة، البناءة، المنسجمة مع مقاصد الوجود كما قضى بها الله على عباده . لقد رسف الفرد المسلم، بسبب تَرَاوُحِ ليلِ الانحطاط عليه، إذ جعل العُقَدَ والتمزقات تراثا مشتركا، يتوارثه الخلف عن السلف، وتفاقم من أدوائه الأجيال بما تضيف إليه من مخاز وتصدعات.. الأمر الذي يستتبع استشراء السلبية، واستفحال بواعث العجز والقصور، وهو ما يعطل حركة الحياة ويجعلها رديفا للمأساة، إذ يعدم الفرد فيها أدنى أسباب الأمل والتفاؤل والوثوق ..
من هنا كان وجه المقارنة منعدما بين حال الغرب وحالنا نحن المسلمين، بين تلاحق ثمار الأفكار لديهم وانقطاعات سعى المجتهد الفرد المعزول المخذول المرذول عندنا..
وفي هذا السياق يلتفت النورسي إلى تسجيل ملاحظة على درجة من الأهمية، حين يستدرك على كثير ممن تطيب أنفسهم أن يعقدوا مثل هذه المقارنة بين حال أوروبا وحال المسلمين، خصوصا حين تكون نفوس هؤلاء المقارنين موجهة بمشاعر الاستيلاب، إذ يغدو موقفهم ذلك محض محاكمةٍ وتَشَفٍّ وتخذيلٍ لأي بادرة توق إلى الوقوف.
لقد كان هذا شأن من أسماهم النورسي لقطاء أوروبا، فأولئك كانوا يوازنون بين الحالين الحضاريتين لإظهار افتتانهم بالغرب ونفورهم من أمتهم .. كما أن ذلك الموقف الاستعلائي الأحمق كان يصطبغ عندهم بالهجاء الموجه إلى الملة.. هجاء نابع من الانخداع، متغذٍ على ترهات الفكر الثوري المتصهين، ذلك الفكر الذي ظل يوقظ في الانسان نزوعات الهدم والتوق إلى التخريب، ويشحنه بعواطف العصيان والافتراء والتفريط في الشرف ..