تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا كان الأعداء قد تمكنوا من الأخذ بزمام أمورهم وتحكموا في مصيرهم بفضل جو الترابط والتعاضد، ونتيجة لما يلابسهم من أحوال نفسية تعاكس مناخ قارتهم الصقيعية، الملبدة في أغلب مواسم العام، ولما يميزهم من أمزجة تواجه الصعوبات بالتحدي وعدم الفزع، فإن المسلمين هدموا أبرز حصون اجتماعهم وكينونتهم، وهو الاتحاد وعدم التفرق..

ومما لا شك فيه أن أسبابا تعود إلى التاريخ جعلت حال الفرقة ماضية معهم وإن خففت من ثائرتها عهودٌ من المدنية قبل أن ترتكس تلك المدنية نفسها وترتد إلى فوضى وفتن دائمة أعادت الأوضاع إلى سابق عهدها من التبدي والتوحش العمراني الآفل في أغلب الأوطان الاسلامية ..

لقد تغلب منطق الهدم والتنازع على منطق الحكمة والتعاون، وأحال الواقع الإسلامي إلى عصب وتشرذمات تصطنع الأسباب المذهبية والعرقية والطبقية من أجل أن يتغلب بعضها على بعض ويتمكن من انتزاع اللقمة ..

لقد ظل الاحتدام دائرا ومسترسلا على مدى أعصُرٍ، ليس من أجل الارتقاء بالفعل الحضاري، ولكن من أجل سَدِّ الأود والإستئثار بما يغله الموسم وتجنيه حملات الغزو القبلي أو الطائفي أو السلطاني.. وهو ما أورث الأمة عُقَدًا مستفحلة حالت دون تسريع ميقات اليقظة وتصعيد وتيرة النهضة وتجاوز واقع الانحطاط.. وذلك ما سجله النورسي حين راح يرسم حدود الخلل وما ينوء به كاهل هذا العالم الإسلامي - وعلى مختلف الأصعدة - من عُقَدٍ وتمزقات تخنق قابلية الحياة فيه.. يقول :

" فانظر بدءا من العالم الاسلامي، تلك الدائرة الواسعة، وانتهاء إلى طالب علم في المدرسة الشرعية كأصغر دائرة، تجد أن لكل منها عقدة حياتية، وتلك العقد مرتبطة ببعضها، متسلسلة ومستندة إلى تلك النقطة العظمى، كأفراد المجتمع وروابطه، بمعنى أنه يمكن أن يصحو المسلمون ويبدأوا بالرقي متى ما نَبَهوا وبُثَّ فيهم روحُ النماء، فلا صحوة بغير خنق تلك العقد الحياتية.." (1)

(1) صيقل الإسلام ص 369.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٤١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٤١٢