تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذا الصدد يشرح النورسي مفهوم التواكل، وهو مفهوم اختلطت دلالته ومراميه الأخلاقية في أذهان القُصَّرِ من الفقهاء والدخلاء على حقل التربية والتوجيه، فرأى أن التواكل " تكاسل في ترتيب المقدمات، أي إنه أهمال للعلل الحسية التي يقتضيها تحصيل قصد مادي ما.. " فالتواكل عنده هو سلوك شاذ عن القصد، فهو – من ثمة – في حكم التمرد على النظام القائم بين الأسباب التي هي مقتضى مشيئة الله تعالى .. من هنا كان التواكل استلابا، وكان التوكل تسلحا واستعدادا..

لقد امتدح النورسي خلق التوكل إذ هو عزم إيماني يقوم على تهييء المقدمات ووضعها في موضع الفعل، وإناطة النتائج بعد التسديد اللازم بإرادة الله..فالتوكل بهذا الوجه هو من صميم مقتضيات الإسلام، يقود صاحبه إلى التوفيق شريطة عدم التدخل في التقديرات الإلهية..

لقد التبس على أولئك الملقنين للباطل، الجهلاء بهذه الحقائق، فاندفعوا يسممون إرادة الأمة ويدسون في روحيتها ما يعطل العزائم ويعرقل الإرادات، فهؤلاء هم الذين حطموا ذلك الميل وأطفأوا ذلك الشوق..(1)

أما السبب الثاني الذي أحال واقع المسلمين إلى وضع الفقر والإدقاع، فهو - بحسب النورسي - التوجه العام الذي جعل الفرد المسلم لا يقبل إلا على الوظيفة الحكومية، فهو انسان نَفَّارٌ من العمل اليدوي، ومن تلويث يديه أو هندامه بغبار الكدح ومساكنة التراب، فهو نزاع إلى التأمر والسلطنة المجَّانية .. "والحال - كما يقول النورسي - أن الطريق المشروع للمعيشة والسبيل الطبيعي والحيوي إليها هو الصناعة والزراعة والتجارة، أما الطريق غير الطبيعي فهو الوظيفة الحكومية والأمارة بأنواعها..وعندي أن الذين جعلوا مدار معيشتهم الأمارة - وإن تسمت بأي اسم كان - فهم في زمرة الشحاذين العاجزين المتسولين، ومن زمرة المخادعين الحيالين ..".(2)

عقدة الاختلاف .. عقدة الزعامة

(1) صيقل الإسلام ص .403 .

(2) صيقل الإسلام ص 403.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٤١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٤١١