ولقد كانت المفارقة تبلغ ذروتها حين كان المستعمر يسلط أبناء المسلمين ضد بعضهم بعضا، فلقد كانت الأساطيل تبحر بالفيالق من هذا البلد المسلم إلى هذا البلد المسلم، ليُزَجَّ بها في جبهات القتال، فتتساقط الضحايا من الجانبين، ويتحقق النصر وينعم المستعمر بالغنائم، دون أن يتفطن المسلم إلى أنه إنما كان يقاتل أخاه المسلم، ويشتبك معه بكل ضراوة، ويبادله أشرس العواطف والضربات، نشدانا لنصر لا يعود على أي منهما بفائدة، كل ذلك ولا أحد منهما يدري أنه إنما يقاتل أخاه في الملة ويسدد لشقيقه في الدين، ويغالب ابن عقيدته.. وكل ذلك كان نتيجة للمصير التمزيقي الذي اقترفه المستعمر في حق الأمة إذ فرق بينها واستغلها في تحقيق مشاريعه الاستعمارية البغيضة..
لقد كان الغرب يجند الجيوش من البلاد الإسلامية ويفتح بها بلادا إسلامية أخرى.. وكان الضحايا من الجانبين مسلمين، وكانت الحمية في القتال تأخذ الطرفين فتتفاقم خسائر الإسلام وتعم انتصارت الكفر..
لقد أرجع النورسي ذلك الواقع - وكان ذلك العهد عهد تقاطع وتباعد بسبب انعدام وسائط الاتصال- إلى سوء استخدام المسلمين لشعائرهم، أو إلى عدم استثمارها في الوجه الذي سنت له، لا سيما شعيرة الحج، حيث كان المسلمون من كل أقطار الأرض يتداعون إلى تلك البقاع القدسية كل عام، بل كل موسم، للحج والاعتمار، فلا يجدون موجها ولا مرشدا يعرفهم بما يقع لهم ويكشف لهم أسباب شقائهم واندحارهم..
لقد كان النورسي ينحو باللائمة على الخلافة العثمانية خاصة، فهي التي كان أمر المسلمين منوطا بها، وهي التي لم تسع لرسم سياسة إسلامية تؤطر بها شعيرة مثل شعيرة الحج قائمة أساسا على مبدإ التواصل والتعارف وتجسيد روح التواشج والأخوة، فمن شأن تأطير تلك الشعيرة الاسلامية الجامعة أن يضمن الجو لاسداء التوجيه، وتتحقق التوعية والتنوير: