لذا طفق النورسي يرفض نزعة الاحتكار ووضع اليد على الدين من منطلق احتيازي، ذلك لأن القصد من الدعوة ليس هو الوقوف بالعقيدة عند صعيد جماعي أو فيئوي محدود، ولكن القصد منها أن تتوسع لتستشرف بظلالها الناس جميعا ..
لذا لا يجوز أن تسير الدعوة وفق سياسة لا تتحوط من الوقوع في مزلق الصد وسدِّ الباب في وجه العباد الذين يشرح الله صدورهم للاسلام ..
بل لقد رأى النورسي أن مجرد التظاهر غير السوي بالشعار والنحلة الاسلاميين في مجتمع يضم أوساطا تبعدها ثقافتها وتربيتها عن روح الدين، هو إثارة لا محالة سترتدُّ بالأثر السلبي على الدين، إذ ستجعل تلك الأوساط تُبَيِّتُ لمناهضته ،من حيث كونها ترى فيه شأنا لا يهمها .. شأن بعيد عن أهوائها، بل ومتعارض مع رؤيتها ومطامحها الدنيوية ..
من هنا حرص النورسي على تبصير المسلمين بما ينبغي أن تكون عليه سلوكاتهم إزاء الطوائف غير المتدينة من بني الجلدة، ودعا إلى ضرورة أن يرفع الدينُ عن أنواع المزايدات والانتماءات سواء المسلكية منها أو السياسية أو غيرها :
" إن إظهار الدين الذي هو ملك مقدس للناس كافة - بالتحيز والتحزب - على أنه أخص بمن يتمثله في مسلكه دون غيره، يثير الأكثرية الغالبة ضد الدين، فيكون ذلك سببا في التهوين من شأن الدين ..
فمن يشاء أن يخدم الدين، لا يسعه إلا أن يسعى لإيجاد السبل الكفيلة بتقريب العقيدة من النفوس البعيدة عنها، وبالتالي عليه ألا يأتي في مظهره ومسلكه ما قد يكون سببا في تعميق الهوة بين الدين وبين من هم خارج حظيرته..بل لقد رأيناه ينعى على المرشدين والمتعصبين للدين أساليب توجيههم وفظاظتهم التي لا تترك من أثر إلا تنفير الناس من الإسلام.
" إن خدمة الدين وسوق الناس إليه إنما تكون بالحث على الالتزام وتذكير أصحابه بوظائفهم الدينية، وبخلاف ذلك فإن مخاطبتهم بأنكم ملحدون يسوقهم إلى التعدي" (1)
(1) صيقل الإسلام ص 362.