تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما لا شك فيه أن خطة النورسي المُحْجِمَة عن الخوض في الغمار السياسي الإعتراكي تحت لواء الدين لم تكن خطة تحايلية، اتقائية، غايتها التحرك تحت الريح، بقدر ما كانت اعتقادا راسخا بأن سمو القرآن وقداسة روحه ونورانيته لابد وأن تتعالى عن أن يُدَلَّلَ بها على برنامج سياسي دنيوي، منوط ببضع سنوات من السيادة الوهمية، وبجدول من الانجازات التي مهما كانت قيمتها المنفعية، إلا أنها تظل الشاهد الإعتزازي لأصحابها، بغض النظر عن نجاحهم أو فشلهم، إذ أن السياسي له قدرة على التدليس وادعاء المحامد حتي في التجارب التي يكون فيها سقوطه ذريعا..

فمن شأن برامج الساسة أن تغدو مرتكزا انتخابيا تتجدد به -دوريا -حمية المغالبة السياسية قصيرة الحبل، لا غير، لأنها حمية تصدر عن حسابات لا تستحضر حكم الله ولا تقيم معاييرها على وفق مقررات الكتاب والسنة..

من هنا ربأ النورسي بألماسية القرآن عن أن تطرح في المضمار السياسي الترابي، تدوسها الحوافر والأرجل، وتغطي عليها المشاغبات والتهيجات النزوانية، وتصرفها عن دورها كدستور هيأه الله ليستوعب أعباء الحياة ويذلل من رعونتها ويمنح الأرواح والنفوس طمأنينة سماوية تسلسل معها الأيام والعهود..

" ينبغي ألا تحجم عن القرآن جهة، ولا يكون موضع شبهة فئة مهما كانت، لذا علينا أن نلقي دروسه من موضع طاهر زكي، مبرئ من موحيات أفكار التيارات السياسية والانحيازات المغرضة".(1).

كيف ننهض بالدين، بدل أن نتبناه ونحتكره

لقد قدر النورسي أن موقف الحركات الدينية - إذا ما صدر عن روح تتبنى الدين على تلك الصورة الإحتكارية، شبه الكهنوتية - فإنما سيكون موقفا ضارا بالدين، وحائلا دون انتشاره، ومحجما لوظيفته، بوصفه ( الدين ) نطاقا روحيا وجاذبية روحانية مهيأًة لأن تستوعب الناس جميعا، وتكفل لهم من الأجواء والعواطف ما يقرب بينهم ويؤاخيهم ويجعلهم جسدا واحدا في توادهم وتراحمهم..

(1) المكتوبات ص 61

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٤٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٤٠٣