تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد جعل هذا المُنَظِّرُ الغربي من المصلحة - ولو تلطخت بالدم والخيانة - الغاية الوحيدة التي ينشدها السياسي، فهو قد أناط الأعمال بثمارها، وجعل من الظفر- ولو كان غير شريف- عين الفضيلة والمأثرة التي يطلبها السياسي، بغض النظر عن طبيعتها أو معيار خُلُقِيتها..

من هذا المنطلق أضرب النورسي عن تعاطي السياسية، هو الذي باشرها بضع سنين، وفكَّ شفرتها، وأدرك منطقها اللامبدئي، فكان انسحابه منها انسحابا مبدئيا، سعى إلى أن يعطيه معناه المنهجي الذي يغدو معه ذلك المنهج الكفي، الإنقطاعي، الذي اعتمده إثر خروجه من الحلبة السياسية، ثقافة أو لنقل فلسفة فعالة تساهم في خدمة الحياة والمضي بها في الأتجاه البناء، وهذا بالانخراط في طريق لا يتوازى مع طريق السياسة فقط ولكنه يتعارض معها.. إنه طريق القرآن ..

لقد تحول النورسي من حلبة السياسة المؤطرة بسياج من الأعراف التي تحكمها نزوات النخب المتصارعة على السلطة، إلى أرض الواقع اللامحدود، الواقع الذي لا تحركه تعليمات القيادات وما يعرو أمزجتها من تلون، وما تمليه نوازعها البشرية من توجيهات لا تصب إلا ضمن دائرة التنفذ، وتعزيز الدور، وتكريس روح عبادة الشخص والزعامة، والتعصب للأهواء المتلاطمة .. لقد لاذ النورسي بعيدا - ونتيجة نفور عميق - عما رآه يعصف بسفينة السياسة من أمواج موبوءة - واختار أن يعتصم بالروحانية القرآنية ، يستمد من كنوزها الترياق السماوي، يداوي به تفسخات واقع أمته قاطبة ..

منهجه العمل بعيد المدى..أو سياسة الإلتفاف الحكيمة

لم يهجر النورسي الحياة، ولم يُخْلِ الموقع، ولم ينهزم، ولكنه قام بعملية التفاف على الحطة الروحية والمفاسد الخلقية والهوان الحضاري والاستيلاب المقيت واللافاعلية البنائية.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٤٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٤٠١