تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"إن خدمة القرآن الكريم هي التي منعتني بشدة عن عالم السياسة، بل أنستني حتى التفكير فيها، وإلا فإن تاريخ حياتي كلها تشهد بأن الخوف لم يكبلني ولا يمنعني في مواصلة سيري فيما أراه حقا، ثم مم يكون خوفي ؟ فليس لي مع الدنيا علاقة غير الأجل، إذ ليس لي أهل وأولاد أفكر فيهم، ولا أموال أفكر فيها، ولا أفكر في شرف الأصالة والحسب والنسب، ورحم الله من أعان على القضاء على السمعة الاجتماعية التي هي الرياء والشهرة الكاذبة، فضلا عن الحفاظ عليها. فلم يبق إلا أجلي، وذلك بيد الخالق الجليل وحده، ومن يجرأ أن يتعرض له قبل أوانه، فنحن نفضل أصلا موتا عزيزا على حياة ذليلة ". (1)

السياسة مثابة المفاسد جميعا

لقد نظر النورسي إلى السياسة بواقعية، وعَلِمَ ما تقوم عليه من دهاء بحيث لا يتورع متعاطيها عن التضحية بكل القيم ، بل وحتى بالمقدسات، من أجل بلوغ الغايات المستهدفة..

من هنا كان تَأبِّيه عن الاستمرار في مباشرتها و الخوض فيها بعد ما جرب منها وما اكتشف .. لقد رأى الساسة لا يرعوون أمام تحقيق مطامحهم الحزبية العاجلة عن اقتراف كل ما يوصل إلى الهدف، ورأى ما يشبع أجواء السياسة من نفاق ودجل ومحسوبية، وشاهد عن كثب أن يد السياسي مفتوحة لمصافحة واحتضان الشيطان نفسه لقاء نيل المقصد الاستنفاعي الشخصي أوالفيئوي..

لقد وقف النورسي على مشاهد رأى فيها السياسي المسلم (أو المتلبس بالإسلام ) يتوادُّ مع نظيره السياسي الفاسق الذي لا يني يجاهر بمحادَّاة الله ورسوله، لا لشيء إلا لتلاقيهما في المصلحة.. الأمر الذي جعل النورسي يدرك أن السياسة هي لعبة قمار لا مجال فيها لما يعرف بالفضيلة، إنما شعارها المركزي هو ذالك الشعار الذي حمله أحد فقهائها الغربيين، نقصد به ميكيافيلي القائل بأن الغاية --في مضمار السياسة - تبرر الوسيلة ..

(1) المكتوبات ص.58.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٤٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٤٠٠