"إن معاصريي - مع الأسف - وإن كانوا أبناء القرن الثالث عشر الهجري، إلا أنهم تذكار القرون الوسطى من حيث الفكر والرقي، وكأنهم فهرس ونمودج وأخلاط ممتزجة لعصور خلت - من القرن الثالث إلى الثالث عشر الهجري- حتى غدا كثير من بديهيات هذا الزمن مبهمة لديهم.." (1)
النورسي لا يخاف احتراف السياسة إلا لأنها تسلك بالمرء سبيلا يبعده عن طريق الحق
مما لا شك فيه أن النورسي الذي تمرس بتجربة سياسية عملية في فترة من حياته، قد تحول -ما أن بدت له سوءات السياسة - إلى مدارسة القرآن والتفرغ إليه.
ولقد ظل منذ ذلك الوقت يبدي رفضه للسياسة ونفوره منها، لما عرفه عنها وعن متعاطيها من زيغ وزيف وانقياد للانحراف..
لقد ظل النورسي يصرح بأنه وجد في رحاب القرآن وفي خدمته ما أنساه ماضيه السياسي، بل وما جعله ينبذ ذلك الماضي، ويستنكر آثاره في نفسه..
ومن المؤكد كذلك أن تجرد النورسي من الأهواء ومن المسؤوليات الاجتماعية المقيدة لحرية اللانسان، زيادة على ما طفح به قلبه من إيمان خالص وتوجُّهٍ حميم نحو العبادة والاحتساب ..قد كفل له أن يكون على حظ ضاف من العزة ومن الاعتداد بالكرامة إزاء المجتمع ومؤسساته ..
لقد وطدت تجربة التجرد التام مكانة النورسي كمفكر حر لا يعنيه – كثيرا -ما يجري خارج ساحة تفكيره..
ولقد كانت تلك المطلقية - إن شئنا - إزاء الاعتبارات الاجتماعية والسياسية عاملا مهما جعله يمارس السياسة من حيث يشعر ولا يشعر.. على نحو - دون شك - لا يتجانس مع ما اعتادته الدوائر الاحترافية من انغماس، إذ أنها ممارسة خرجت عن نطاق البروتوكولية والمساومة، وخلصت لله والأمة، وذاك ما كان يعطي للهجة النورسي كل تلك النبرة القوية، الجسور، التي طفق يرد بها عن نفسه التحرشات..
يقول النورسي :
(1) صيقل الإسلام 24.