ونخلص من هذا كله إلى أن النورسي - حين قال بوجوب الأخذ بتعاليم الله وأحكامه، بدل الأخذ بالسببية وقانون العقل ( هذا القانون الذي يحرص بآلية على أن يربط في تدليلاته السبب بالنتيجة، حتى إذا عدم هذه النتيجة تأفف وعزا ذلك إلى غياب عنصر تركيبي تستوي به المعادلة ..)، قلت إن النورسي لم يَدْعُ إلى القعود ولا زيَّنَ للمسلمين طلاق الدنيا والزهد فيها، وهو وإن صدرت عنه دعوات متكررة تلح على وجوب الانقطاع والتوجه إلى الآخرة، إلا أنه في تلك الدعوات، وتلك التقريرات، إنما كان يسدد للأمة الوجهة الأكثر نجاعة للتمكن من الدنيا، والسيطرة عليها، وتثمير تجربة الوجود في إطار رباني لا تزداد به الحياة إلا سموا وشرفا وانخراطا في طريق الإيمان الذي تزكو به زمنية الناس وتجل أعمالهم .. لأنهم بذلك الإيمان لا يأخذون في حسابهم بمنطق التمييز والفصل بين ما هو لله وما هو للعباد، أو بين الدنيوي والأخروي ..
ذلك لأن خطابا من قبيل هذا النداء التسفيهي الذي وجدنا النورسي يتوجه به إلى الغافلين عن الإيمان، والذي يقول فيه " اِعلم يا من يدعو المسلمين إلى الدنيا، أخطأت .. أتحسب أيها الغافل أن المطلوب بالذات من الانسان عمارة الدنيا واختراع الصنائع وتحصيل الرزق وغير ذلك مما يعود إلى الدنيا ؟. والحال أن صاحب الملك الذي أمرُهُ بين الكاف والنون يقول بقول يصدقه الوجود والكون والواقع وتجهيزات الفطرة الانسانية ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات 56). ( وكأيِّنْ من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم ) (العنكبوت60)، أم تزعم أن مَنْ صَنَعَكَ ويصنعك دائما بتجديد وجودك في كل زمان يحتاج لما تصنع في نظام ملكه وإلى توسيطك في تصرفاته ؟. أترى كل مصنوعات البشر تساوي خلقة نخلة أو نحلة أو صنعة عين اِنسان؟..".(1)
(1) المثنوي العربي النوري ص 276