إن رجوع الإنسانية بمشاعرها ومعتقداتها إلى الله، ينضد الطريق أمامها، ويظاهر بين جهودها، ويقرب منها غاياتها، لأن كدحها في كنف اليقين والوثوق بأن الله هو المسير والمدبر للوجود، يخفف من الأعباء، ويجنب المخاطر، إذ أن إحضار محبة الله وخشيته، يقيد يد الإنسان وعقله عن أن يمتدا إلى غير ما يخدم رعايا الله، من بشر وعجماوات وجماد..
فمن شأن الإعتقاد بالله أن يجعل المؤمن يقر في طمأنينة وإخلاص، بأن "..أمر العباد في يد الراعي ". وأن السعي الموكل إليهم لابد وأن يثمر ويزجي العطاء في كنف من الإقرار للخالق بالقدرة المتصرفة في الفعل والفاعل على حد سواء..(1)
من هنا كان التوكل فضيلة بناءة، لأنها تنفي عن المرء شبهة الإعتقاد في غير بارئه، والتعويل على غير ربه .. فالتوكل - على خلاف ما فهمته به العوام ومن لا دراية معرفية لهم - هو التعويل على الله مع الأخذ بالأسباب التي هيأها الله سبيلا يفضي بالعبد إلى تحصيل نتائجه، فلا جني من غير استزراع، ولكن التعويل على الاستزراع لا يجدي إذا غابت العناية الإلهية وخاب الموسم .. وإن حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي :" أعقلها وتوكل".. قد أحاط بمعنى التوكل الإيجابي كما كرسته العقيدة الإسلامية، إذ شرطت السعي، ولم تُقِرَّ القعود قط ..
ومن خير الشواهد على رسوخ مبدإ حظوظية العيش والرزق المكتوب، المقدر للعبد سلفا، ما يورده النورسي حول ما " روي أن الانسان إذا تحرك سكن رزقه، وإذا سكن تحرك رزقه، ويضرب مثلا بالشجرة الساكنة تتحرك إليها أرزاقها وهي ثابتة في مكانها لا تريم، فيما الحيونات المتحركة تسعى هي لنيل أرزاقها وتكد من أجل تحصيلها ..(2)
فحظوظ العباد قد تقررت لهم سلفا، ولكن الله أودع في نفوسهم الحافزية التي تيسر عليهم بلوغ أنصبتهم وآجالهم من هذه الحياة :
(1) انظر المثنوي العربي النوري ص 223.
(2) المثنوي العربي النوري ص 256.