من هنا لا وجاهة لادعاءات الطبيعيين، ولا لمن يؤلهون المادة، ويسندون إليها انجاز هذا الإبداع الخارق، والمترامي، والذي شمل كل مرافق الكون، وما ذلك إلا لأنه ابداع إلهي جليل.. "فالطبيعة مطبعة مثالية وليست طابعة..قابلة للانفعال وليست فاعلة" . (1)
وإذا كان الإيمان يتغلغل في رحاب النفس ليفشي في الانسان نشوة اليقين فلا يزايله بعدها ظل الله الهادي، فلا جرم أن الإعتداد بالنفس الخاوية من دفء الإيمان لا يورث إلا مزيدا من الإحباط والقهر والغبن الناشئ عن الصدمات وعن شعور الخيبة والعجز..
ذلك لأن الإحساس بالعزة الباطنية والاعتداد بالذات لا يكفل للنفس مكسبا إلا إذا كان اعتدادا بالخالق.. فالنية التي يستبطنها العبد في ضميره، من شأنها أن تنيط أعماله بالصدفة وبالمجهول وباللا وثوق، إن هي استندت إلى مجرد قدرات النفس، الآنية، والمحدودة، والمعرضة للنفاد في كل وقت .. ومن شأنها – على العكس من ذلك - أن تنيط تلك الأعمال والمقاصد باليقين، وبالأمل، وبالإثمار الباهر، متى ما خلصت واستلهمت العون والتوفيق من الله..
فمن شأن خلوص نية الإنسان ومصداقية مراميه أن يضفيا على الأشياء والمسائل قيما تتحول بها إلى الأسمى والأرفع.." إن النظر والنية يغيران ماهيات الأشياء، فيقلبان السيئات حسنات . كما يقلب الإكسير التراب ذهبا، كذلك تقلب النية الحركات العادية عبادات، والنظر يقلب علوم الأكوان معارف إلهية، فإن نُظِرَ بحساب الأسباب والوسائط فجهالات، وإن نُظِرَ بحساب الله فمعارف إلهية ".(2)
من هنا كان التوسل بالله، ودعاؤه، والضراعة إليه، أحوالا تترجم عند الإنسان صلة العبودية، ومتانتها، وصدق بواطنها . فالدعاء- في حقيقته الروحية - هو أخذ بكلية الأسباب، وليس فقط بظاهر القرائن التي دأب النظر يرصدها ويستلزمها لتحصيل النتائج..
(1) المثنوي العربي النوري ص 425.
(2) المثنوي العربي النوري ص 105