تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"ومن الغرائب أن العقل الذي يتطاول إلى الإحاطة بالعلم والنفوذ إلى الخارج والخروج من دائرة الإمكان يغرق في قطرة، ويفنى في ذرة، ويغيب في شعرة، وينحصر الوجود عنده فيما فنى فيه .. ويريد أن يدخل معه كل ما أحاط به في النقطة التي بلعته..".(1)

فلذلك ما برح النورسي يذكر الإنسان بطبيعته الموصولة جبلة بالغيب، على أحكم ما تكون الأسباب:

" أيها الإنسان، لقد خرج شيء من ماضيك ومستقبلك من الغيب، بحكم ما تحمله من عقل، فأنت محروم كليا مما تتنعم به الحيوانات من راحة واطمئنان بانسدال ستار الغيب أمامها، فالحسرات والآهات الناشئة مما مضى، وأنواع الفراق الأليم والمخاوف الناجمة من المستقبل تزيل لذتك الجزئية وتبيدها وتهوي بك في درجة أدنى بكثير من الحيوان من حيث اللذة، فما دامت الحقيقة هكذا فما عليك إذاً إلا أن تتبرأ من عقلك وترميه خارجا، وتَعَدُّ نفسَك حيوانا فتنجو، أو تُنَوِّرُ عقلك بنور الإيمان وتنصت إلى الصوت العذب للقرآن الكريم، فتكون أرقى من الحيوان وأرفع، مغتنما لذائذ نقية، صافية، طاهرة، وأنت ما زلت في هذه الدنيا الفانية..".(2)

من هنا كان لزاما على المعرفة الإنسانية أن تدمج مبدأ الإيمان بالله وبالغيب في تعاليمها، وتجعل منها منطلقاتها في كل ما تتوجه إليه من فتح أو كشوف، فبذلك تترشد خطاها، ويطرد لها الفلاح الذي تعم نتائجه الانسانية قاطبة:

"ليست الأسباب إلا مجرد ستائر، وليس للملائكة - وهم ذوو شعور - غير جزء من الاختيار الجزئي الذي له الكسب دون الإيجاد، وهو نوع من الخدمة الفطرية ونمط من العبودية العملية لا غير".(3)

ومن خير الإنسانية أن تعي صلتها بأفعالها وبمنجزاتها، وأن تدرك أن الله هيأها لأن تفعل الحسنى، وأن أفضالها ورهاناتها هي مجرد كسب تحقق على يدها، وأن اقترافاتها هي زيغ عن الحق وتعدٍّ عن الحدود واجتراح للعدمية..

(1) المثنوي العربي النوري ص 225.

(2) الشعاعات ص250.

(3) الشعاعات.324.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٩١