لقد نال من الانسان اعتداده بعقله المجافي للإيمان، وجر عليه اغتراره بمعارف مادية اطردت له، فزاغ عن الهداية، ولم يتمسك بالحبل المتين .. وكان حريا به أن يعزو القدرة والفعل للخالق الفرد، وأن لا يتوهم أنه بات في وسعه أن ينادد خالقه..
فلو تدبر الإنسان نفسه لرأى أنه سجين ما أودع الله فيه من قابليات ومدارك، ومنها العقل .. إذ أن نظرة الانسان إلى ذاته وإلى الحياة من حوله في ضوء رشيد للعقل، لمن شأنها أن تجعله يوقن أن وجوده على هذا الكوكب لا يعدو أن يكون حبة خردل بالقياس إلى الآفاق والآماد المترامية واللامحدودة التي تطوقه، بشهادة العلم والكشوف المتواترة، وهو من جهة أخرى، إذا ما استبطن عقله وما بات في مقدوره أن يفعله بهذا العقل، فسيستشعر قوته لا محالة .. ومن حقه أن يستشعر ذلك، لكن في حدود الإقرار للقدرة الإلهية بالفضل .. أما أن تتحرك سواكنُ غروره على هدي ما أتيح له من نفاذ، فذلك هو دليل عقوقه، وفي ذلك يكمن خطر ضلاله وضياعه عن الرشاد..
".. ومن صغر الانسان أنه يجول في خردلة حافظته، وتصير تلك الخردلة عليه كصحراء عظيمة يسري دائما ولا يقطعها.. ومع أن الخردلة الحافظة تصير كصحراء عظيمة على عقل الانسان، كذلك يصير ذلك العقل كبحر يبتلع الدنيا، فسبحان من جعل الخردلة لعقل الانسان كالدنيا، وجعل الدنيا كخردلة".(1)
فما زالت الشواهد والحقائق تثبت أن العقل عاجز عن اجتياز حدود وقفها الله على علمه، وأناطها بذاته العلية، وأن ما منحه للانسان من عقل لا يكون مُرَشَّدًا، ولا تُجْتَنَى له ثماره اليانعة إلا إذا استمسك بالهداية .. فالعقل الإنساني عنوان للطيش والغرور ما لم يتخلق بخَلاق الإيمان.
(1) المثنوي العربي النوري ص 178.