بل إن التعلق بالسببية ليحمل في طياته قابلية الخنوع إلى قوى الحس، وإلى الطبيعة البكماء، وإلى الشيئية وحدها، وفي ذلك تحجيم سافر لطاقات الروح التي لا تتسلح في حركتها وسعيها من المعين المادي أو الحسي فحسب، ولكنها تستمد من أكوان اللامرئي ومن المغيب كذلك ما يسهم في بلورة رؤاها وبناء قناعتها ويقينها .
فالروح بطبيعتها المستغلقة التي عجز الإنسان عن استكناهها، قوة موصولة بالغيب
.. بل أنها في مراساتها الفطرية، وفي ما يتراوحها من أحوال وتقلبات، لا تفتأ تلابس الغيبي وتساكن وطأته وإشاراته مهما كانت هذه الإشارات مبهمة، فكيف لا تعتد بما تستشعره يأتيها من هذا الصدد الماورائي حتى قبل أن يباشرها به الدين، بل كيف يسوغ لها أن تلغيه من اعتبارها، وأن تضيق من نطاق استلهماتها باعتماد عالم المحسوس وحده..
"..اِعلم أن التعلق بالأسباب سبب الذلة والإهانة، ألا ترى أن الكلب قد اشتهر بعشر صفات حسنة، حتى صارت صداقته ووفاؤه تضرب بهما الأمثال ..ولكنه بسبب مرض الحرص الذي ميزه، لأنه اهتم بالسبب الظاهري بدرجة أغفلته عن جهة المنعم الحقيقي، فتوهم الواسطة مؤثرة، فذاق جزاء التنجيس، فتطهر وأكل ضرب الإهانة كفارة للغفلة، فانتبه. أما سائر الحيوانات المباركة فلا يعرفون الوسائط ولا يقيمون لها وزنا، أو يقيمون لها وزنا خفيفا .. فالسنور مثلا، يتضرع حتى يأخذ الإحسان، فإذا أخذ فكأنه لا يعرفك ولا تعرفه ولا يحس في نفسه شكرانا لك، بل إنما يشكر المنعم الحقيقي بـ "يا رحيم ..يا رحيم ..يا رحيم.." فقط. إذ الفطرة تعرف صانعها وتعبده شعوريا وغير شعوري ". (1)
[تأدب النورسي حتى مع العجماوات، فقد اعتذر وهو يتحدث عن الكلب بقوله: بشرط ألا ينكسر قلب الكلب ولا يصير غيبة]
(1) المثنوي العربي النوري ص 161 .