لقد طغى الإلحاد على مجالات الإشتغال الفلسفي بنزعاته المادية الإلحادية، وتحولت تلك المجالات إلى صعيد فكري مريض، يعمل بمكر وعناد على إبعاد فئات من البشر عن رحاب الإيمان، وما ذلك إلا لطغيان الفلسفة اللادينية، وبثها لمبادئ الشذوذ الفكري ولكل ما من شأنه أن ينكر في الإيمان بالله وبعقيدة التوحيد، وذلك ما عبر عنه النورسي، حين ربط تفاقم الأمراض الإجتماعية بتفاقم الفلسفة، ولازم بين الشذوذ العلمي والعقول المريضة :
قد شاهدت ازدياد العلم الفلسفي في ازدياد المرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي، فالأمراض المعنوية توصل إلى علوم عقلية، كما أن العلوم العقلية تولد أمراضا قلبية.." (1)
ولقد ظلت الحكمة الدينية في كامل العصور الاسلامية تحذر من مغبة الاستنامة للفلسفة، لأن أسسها منذ الإغريق والرومان، غرقت في طين الشك والحيرة، أو في تهيؤات نفسية وخيالية ما أنزل الله بها من سلطان، وبتلك الأسس الآسنة راوحت الفلسفة- وعلى مدار العصور - على الخوض في مسائل بَتَّ الدين فيها.. لكن الفلسفة أبت إلا أن تُلَبِسَ على الإنسان بفرضياتٍ تُشَكِّكُهُ في حقيقته المبجلة، وتتيه به في تشعبات تفضي إلى الكفر، وتحكم على هذا الوجود بالعدم وباللاغاية، وتنظر إلى أوضاع الإنسان والكون بمنظار السببية التي لا تجيب عن جذور حيرة الإنسان، بل تتلافاها للاشتغال بمستويات حسية وربما ماورائية بروح هي – حقا – من السذاجة بمكان..
من هنا طفق النورسي يلح على وجوب أن نأخذ في أحكامنا ومسلماتنا بحساب الله، وليس بحساب الأسباب:
فـ"النظر بحساب الله أحكم تسديدا من النظر بحساب الأسباب.".
ومن هنا أيضا أدان العقل كلما كان هذا العقل متبجحا، أو متوحشا، أو متفحشا، أو كان مرسل القيد، لا يعرف أين يضع قدمه، ولا في أي مسلك ينخرط..
(1) المثنوي العربي النوري ص 158.