يؤمن النورسي بقدرية هذا الوجود وبتبعية ظواهره ومحتوياته للصانع الجليل، وبأن مرافقه الظاهرة والخفية تسير وفق تدبير إلهي محكم، وصارم، لا يعزب عنه شيء فيه مهما صغر.. وأن ما يتبدى للعقل البشري من علل وأسباب تحكم الظواهر والوجود إن هي إلا مجرد تلازمات سطحية لا شأن لها في نفسها لأنها مناطة بعلة أولى، هي القدرة الإلهية ذاتها.
".. وما الأسباب إلا (بهانات أي حجج واهية)، وما الوسائط إلا حجابات ظاهرية، وما الخاصيات والخواص إلا أسماء وعنوانات وزجيجات جامدة للمعات تجليات القدرة الإلهية الأزلية النورانية الغير المتناهية، المستندة، بل المتضمنة للعلم والإرادة الأزليين الغير المتناهيين ..وما القانون إلا أمر ممدود أو أوامر مُسردة، وما الناموس إلا إرادة مطولة أو تعلقات منضدة".(1)
لقد طوت قدرة الله شرط السببية في مشيئته الأمرية التي ارتهن بها مطلق قضائه وقدره، وأناطه بقوله للشيء : كن .. فيكون . ولا تأتي الكينونة إلا على وفق ما تشاء الإرادة الإلهيه وتقدر، من كيفيات وصفات..
"..أيها المبتلى بالأسباب، إن خلق السبب وتقدير سببيته وتجهيزه بلوازم إنشاء المسبَّب، ليس بأسهل وأولى وأكمل وأعلى من خلق المسبب عند السبب بأمر (كن ) ممن يتساوى إليه الذرات والشموس". (2)
من هنا كان التعويل على حساب العقل وحده في إثبات الظواهر مدعاة للشرك، ومزلقا لا يسلم معه الانسان من الوقوع في الخطإ وفي الإثم .. إذ لا بد من الإيمان سنَداً لما يستكشفه العقل..
"كل من نظر بحسابه تعالى إلى الكائنات صار كل ما شاهده علما، وإذا نظر بالغفلة وبحساب الأسباب صار كل ما يظنه علما، جهلا محضا". (3)
(1) المثنوي العربي النوري ص 115.
(2) المثنوي العربي النوري ص 212.
(3) المثنوي العربي النوري ص 326.