تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

.. بل لقد رأينا أن عقلية النورسي عقلية ديالكتيكية بطبعها، لاترى تفاعل الظواهر إلا من خلال مبدأ الحركة والسكون، أو من خلال تفاعل الشروط سلبيها وإيجابيها.. لكن النورسي يقرر أن هذه الجدلية لم تنشأ اعتباطا، ولا سارت وفق هذا الإطراد القانوني الراسخ المجسد في منظومة الأسباب والعلل التي تقوم عليها دورة الحياة وقابلية نشوء وتطور الكائنات الحية والظواهر الحيوية، إلا لأنها تجسيد مؤكد لإرادة الله..

تلك الإرادة التي هي الإطار الناموسي الذي ضبط به الله الكون وأكسبه هذه الوتائر المنتظمة والمنضبطة التي يسير وفقها نظام الأشياء، والتي يعتقد الضُّلاَّل أنها ضوابط آلية من غير ما مرجع..

من هنا انحرفوا بتعليلهم لنشاط الظواهر إلى القول بأن العلل والأسباب هي مناط حركة ووجود تلك الظواهر.. ناسين أو متناسين الإرادة الإلهية التي سنت النظم وأوكلت فعلها بنظام الأسباب ..

ولاشك أن النورسي بتعرضه لتسفيه رؤية هؤلاء القائلين بالعلية والسببية، إنما يتصدى لفكر الزناديق الماديين الذين انبروا في تلك المرحلة، ومازالوا إلى اليوم، يطعنون في المعاني التي ترسخ الإيمان وتكرس الوحدانية ..

ولقد وسعه أن يستدعي في هذا الصدد، ردود السلف الصالح، لاسيما الأشاعرة، أولئك الذين ناوشهم أعداء الدين في العصور الإسلامية الأولى، وادعوا أن الأحداث إنما توجد أو تقع باجتماع أسبابها.. لقد رد الأشاعرة هذه الدعوى الجحودية، مقررين بأن الموجد هو الله، وأن النار لا تحرق بكونها نارا، ولكنها تحرق بكون الله سبحانه وتعالى أودع فيها تلك الخاصية.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٨٦