".. إن الفلسفة القديمة خيرها قليل، خرافاتها كثيرة، حتى نهى السلف - إلى حد ما - عنها، حيث الأذهان كانت غير مستعدة، والأفكار مقيدة بالتقليد، والجهل مستوليا على العوام، بينما الفلسفة الحاضرة خيرها كثير - من جهة المادة - بالنسية للقديمة، وكذبها وباطلها قليل، والأفكار حرة في الوقت الحاضر، والمعرفة مسيطرة على الجميع، وفي الحقيقة لا بد أن يكون لكل زمان حكمه.." وهو ما يجعل من أذى الفلسفة بهذه المواصفات محدودا، لأنها تشتمل على حقائق تخدم الإنسان، وذلك هدف من أهداف الاسلام ..(1)
لقد ر أينا النورسي في موضع آخر يحدد نوع الفلسفة التي تناهضها رسائل النور فيقول:
" إن الفلسفة التي تهاجمها رسائل النور وتصفعها بصفعاتها القوية، هي الفلسفة المضرة وحدها، وليست الفلسفة على إطلاقها، ذلك لأن قسم الحكمة من الفلسفة التي تخدم الحياة الاجتماعية البشرية، وتعين الأخلاق والمثل الانسانية، وتمهد السبل للرقي الصناعي، هي في وفاق ومصالحة مع القرآن الكريم، بل هي خادمة لحكمة القرآن، ولا تعارضها، ولا يسعها ذلك، لذا لا تتصدى رسائل النور لهذا القسم من الفلسفة".(2)
وواضح أن إدراك النورسي لوظيفة الفلسفة هو إدراك نفعي بناء، إذ أن مفهوم الفلسفة عنده لم يعد يطابق ذلك الفهم الترفي والفكري المحض الذي ميز النظر إلى الفلسفة عند المسلمين ..
بل لقد أضحى للفلسفة في وعي النورسي مقصد تجهيزي، ارتفاقي، يخرج بالانسان من دائرة الميتافيزيقا والجدل المفرغ، إلى رحاب العلم التطبيقي والتصنيعي الذي يكفل للأمة الإسلامية القوة والظهور وريادة العالمين في مجالات التعمير وإرساء مبادئ السماء على ربوع هذا الكون..
(1) صيقل الإسلام ص 40 .
(2) الملاحق ص 286.