تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" وهكذا فلأن الفلسفة العاصية للدين قد ضلت ضلالا بعيدا، صار " أنا " ماسكا بزمام نفسه، مسارعا إلى كل نوع من أنواع الضلالة. وهكذا نبتت شجرة زقوم على قمة هذا الوجه من " أنا " غطت بضلالها نصف البشرية وحادت بهم عن سواء السبيل. أما الثمرات التي قدمتها تلك الشجرة الخبيثة، شجرة زقوم، إلى أنظار البشرية، فهي الأصنام والآلهة في غصن القوة البهيمية الشهوية . إذ الفلسفة تحبذ أصلا القوة وتتخذها أساسا وقاعدة مقررة لنهجها، حتى أن مبدأ "الحكم للغائب " دستور من دساتيرها، وتأخذ بمبدإ " الحق في القوة"، فأُعْجِبَتْ ضمنا بالظلم والعدوان، وحثت الطغاة والظلمة والجبابرة العتاة حتى ساقتهم إلى دعوى الألوهية. ثم إنها ملَّكت الجمال في المخلوقات ..متناسية نسبة ذلك الجمال إلى تجلي الجمال المقدس للخالق الجميل.. ثم إنها استحسنت مظاهر الشهرة والحسن الظاهر للرياء والسمعة، لذا حبذت المرائين ودفعتهم إلى التمادي في غيهم .. وربَّت في غصن القوة الغضبية على رؤوس البشر المساكين، الفراعنة والنماريد والطغاة صغارا وكبارا..أما في غصن القوة العقلية، فقد وضعت الدهريين والماديين والطبيعيين وأمثالهم من الثمرات الخبيثة في عقل الإنسانية، فشتتت عقل الإنسان أي تشتت ". (1)

النورسي لم يُلغ دور الفلسفة الحديثة في مضمار البناء المعرفي والحضاري

على أن النورسي، وإن طعن في الفلسفة القديمة ونسب إليها إحداث الكثير من المضار والنتائج والآثار السلبية التي انحرفت بالعقل عن الصواب، إلا أنه لم يسقط دور الفلسفة الحديثة كلية، ولكنه أثبت لها قيمة جعلتها تغدو حقلا يناصر - إلى حد - الفطرة ويعزز التطور والحس السليم..

(1) الكلمات ص.643.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٨٣