ولقد ظلت الرسالات السماوية تستهدف تقويم هذا الانحراف الذي سلك بالبشرية طريقا أبعدها عن الحكمة والفطرة السوية، فتواترت البعثات تسدد الخطا وتصوب الرؤية، وكان من نتائج ذلك أن تلبس الفكر الانساني الفلسفي في مستويات منه بالتعاليم السماوية وقبس منها ومضات جعلت تسديداته راجحة ومُرَشَدة، وذلك ما أشار إليه النورسي حين تحدث عن هذه الطبقة من أهل الفكر الذين انتحوا في سيرهم طريق النبوة وتعاليم السماء، فهؤلاء الذين هم في مسار النبوة، فقد حكموا حكما ملؤه العبودية الخالصة لله وحده، وقضوا أن الغاية القصوى للإنسانية والوظيفة الأساسية للبشرية هي التحلي بالأخلاق الإلهية ". (1)
من هنا نتبين أن الـ "أنا " كما رسخته تعاليم الفلسفة المارقة، هو عنوان الأنانية والغرور ، وهو – بالتالي – علة وروح هذا – الإيغوسانتريزم – الغربي الذي لا يرى غير ذاته، ولا يعتد بغير مقوماته.. وبما أن الإيغوسونتريزم هو مشروط ثقافي وإيديولوجي، بل وكتابي أيضا- إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مقررات التوراة - فلا جرم أن تتلبس الأنا الغربي حالا مرضية، استبدادية، تعرض للأفراد كما تعرض للأقوام والحضارة على حد سواء .. بسبب تعاطي المجتمعات الغربية –الواقعة تحت وطأة الاعتداد بالأنا – لتعاليم جبروتية تكرس منطق القوة والتغالب والاستكبار الشنيع.. من هنا كان التنابز والتطاحن بين الشعوب كما عاشته البشرية خلا حربين كونيتين من جرائر الغرب ومن آثامه، وكما تعيشه المجتمعات اليوم في ظل الانسحاق الاقتصادي والصراع العرقي والطغيان الاحتكاري الذي شمل التجارة والعلم والأخلاق، وكان مرد ذلك – في كثير من مظاهره – ضلال الفلسفة وما تلقنته الإنسانية عنها من فكر زائغ ..
(1) الكلمات ص.642.