"إن سعيدا القديم والمفكرين قد ارتضوا بقسم من دساتير الفلسفة البشرية، أي (كانوا) يقبلون شيئا منها، ويبارزون( خصومهم) بأسلحتهم، ويعدون قسما من دساتيرها ( أي الفلسفة البشرية ) كأنها العلوم الحديثة، فيسلمون بها. ولهذا لا يتمكنون من إعطاء الصورة الحقيقية للإسلام على تلك الصورة من العمل، إذ يطعمون شجرة الاسلام بأغصان الحكمة التي يظنونها عميقة الجذور، وكأنهم بهذا يُقوّون الاسلام. ولكن لما كان الظهور على الأعداء بهذا النمط من العمل قليلا، ولأن فيه شيئا من التهوين لشأن الاسلام، فقد تركت ذلك المسلك، وأظهرت فعلا أن أسس الاسلام عريقة وغائرة إلى درجة لا تبلغها أبدا أعمق أسس الفلسفة، بل تظل سطحية تجاهها ". (1)
والنورسي لا تفوته علة من ينهجون هذا النهج الإسنادي، التلفيقي، إذ أنهم يعتقدون أن الحجة الإسلامية لا تنهض ولا تفرض نفسها على الجاحدين إلا إذا ارتكزت على السند الوضعي، أو ترجمت عبره ..
ومن الواضح أن موقفهم هذا ينم عن إحساسهم هم بالحاجة إلى استبانة وجه الحق الذي يعرب عنه القرآن، فالقصور كامن في ذواتهم وإن لم يشعروا، وما بحثهم عن الدعائم الإنسية لإقامة الدليل والمصداقية على الأمر الإلهي، إلا وجها من وجوه المفارقة التي تجسدها مواقف كثير من أهل الفكر، ممن لم يتلبسهم الإيمان بعمق، أو ممن وهنت هممهم وبصائرهم عن استجلاء البراهين الصارخة التي لا تفتأ تواجهنا أنى أرسلنا أبصارنا وأجَلْنا حواسنا..من هنا بيَّن النورسي سبب تشبث هؤلاء المحاجين عن الدين بحجج الوضع قائلا :
" ففي المسلك السابق (أي مسلك المدافعين عن العقيدة بحجج الفلسفة ) يُظَنّ أن الفلسفة عميقة، بينما الأحكام الاسلامية ظاهرية سطحية، لذا يتشبث بأغصان الفلسفة للحفاظ على الاسلام..(2)
الفلسفة مصدر جبروت وطغيان
(1) المكتوبات ص.570
(2) م.ن. ص570