وشأن الفلاسفة المسلمون في هذا الصدد شأن غيرهم من أقطاب الفكر، إذ طوفوا بدورهم في رحاب المجهول، وتحسسوا ارتكازاتٍ حسبوا أنهم بها أجابوا عن تساؤلات البشرية، وفكوا المغاليق في وجهها، بيد أن تأثيلاتهم ما برحت أن تبدت مهزوزة حتى في نظرهم هم أنفسهم، وما لبثوا أن ارتدوا عن وجهتهم، ولم يسعفهم تعقبهم لخُطا يونان والهند والروم بطائل ..
بل لقد أيقن المُرَشَّدُون من أهل الفكر منهم – شأن الغزالي - أنهم لم يكونوا يضربون إلا في تيه، ولم يتبعوا في كل ما قرروا وتحروا إلا الظن، وأن الظن لا يغني من الحق شيئا .. عندئذ التفتوا إلى معين الدين، وأذهلهم أن يروا تسديداته الجلية تَسْتَبِقُهُم إلى الإجابة عما ظلوا يترسمونه بلا جدوى في عوالم التجريد، وهنالك هتفوا ملء الحناجر أن في الاستضاء بوهج الشمس غناء عن اقتداح أعواد الثقاب في الدامس واللامحدود من الظلمات..
بهذه الحصانة الربانية المتمثلة في الدين تأَتَّى لقلب الإنسان المؤمن أن يَقَرَّ، ولروحه أن تطمئن، و بات في وسعه أن يعيش حياته بمنأى عن القلق والخوف من المجهول..
فبإخلاص العقيدة والمعبودية لرب العالمين ينمو لدى الانسان وازع اليقظة النفسية والروحية فيضحى رقيب ذاته وحسيب نفسه، إذ يستشعر مسؤوليته إزاء ربه وإزاء المحيط الذي يعيش فيه، فيكون دوره تعميريا فعالا، إذ أن إدراك المرء لمهمته الحياتية النبيلة، وترشيده لأفعاله وسلوكه، والتسامي بما يستبطنه من نوايا، يجعل نوازع الخير تغلب على نوازع الشر في نفسه، وهو ما يرجح لديه حب الخير والفضيلة..
النورسي يستنقص نظرة الفلسفة إلى الوجود ويستعيض عنها بالرؤية القرآنية