ومع العصر الحديث، تفاقمت زندقة الفلسفة المادية بعد ما رأت من غلبة واضحة للكشوف العلمية والرياضية وقلبها للأطر والفرضيات والاستشرافات التي ظلت تنادي بها التعاليم الإنجيلية، الأمر الذي جعل الفلسفة الوضعية تنحو منحى الثورة في رفضها للمعطى الديني، وفي تعاملها مع المقدس، وفي بناء أخلاقيتها على مسطرة اللادين..
فقد آمنت الفلسفة المادية بالحسي، وكفرت بالمسلمات المقدسة، وسنت خلقية غايتها استننقاذ الانسان من الهوة العميقة التي ألقت به فيها المعرفة الكهنوتية..
لقد هدمت تلك الفلسفة المرتكزات الروحية التي ظلت الديانة المسيحية تسعى إلى أن تحفظ بها تماسك الفرد والجماعة وتسلك بها في طريق السكينة..
ومن الثابت أن ثورة الفلسفة على الدين كان لها ما يبررها بالنظر إلى ماضي الكنيسة وعلاقتها مع العقل والتطور.. لكن خطأ الفلسفة أنها وجهت نقمتها على الروحيات كافة، وحتى ما سعى من مباحثها إلى الإبقاء على صلة مع الروحيات، فإنه ظل قلقا، تائها في معارج كتابية، لم يعرف كيف يتخلص من خرافتها..
ثم خطت الفلسفة المادية خطوة مناهضة للمسلمات الكنسية عندما ألَّهت الانسان، وجعلت السيادة الكونية له، وأناطت به المستقبل والمصير ..
والواقع أن ثورة الفلسفة على الرب – وسبحان الله عما يقولون - قد وقعت في شرك الروح الكتابية ذاتها ولم تخرج عنها، وذلك حين ناظرت بين الرب المُمات على يدها (المسيح) وبين الإنسان المُؤلَّه على يديها أيضا ( المسيح أيضا) ..
ولم تتبين تلك الفلسفة أن ألوهية المسيح البشري التي تقول بها الكنيسة تناظر تماما ألوهية الإنسان التي تقول بها تلك الفلسفات الغربية ذات الوازع الإيديولجي العرقي..