لا شك أن الفلسفة هي ممارسة ثقافة الحيرة، وإدارة فعل التساؤل والاسترسال في الاستبار الميتافيزيقي، والتردد في الأخذ بما يخطر على النفس من أجوبة، بحكم أن اليقين والقطعية والجزم هي أحوال تتعلق بالمجال العلمي التجريبي، خلاف المجال التأملي الذي ينطلق من واقع حسي منوط بعالم الغيب، أو هو ينطلق من اللاواقع ليتمحل له واقعية آنية أو بَعدية مرتبطة بالماوراء.. من هنا عُدَّتْ الفلسفة مراسا فكريا استداريا، وحلقة مغلقة، مفرغة، ومجافية لمبدإ التسليم، وسؤالا يتوالد وينتج القلق إلى ما لانهاية ..
لذلك - وعلى الرغم من تعدد مشارب الفلسفة ومذاهبها - فإنها اعتبرت دائما وفي سائر العصور، ميدان الشمولية المعرفية النظرية، إذ من شأن تحريك الذهن بما يصدم من التساؤلات، أن يزج بالعقل في غمار البحث والاستكشاف..
وربما نشأت من جراء ذلك الحفز الاستكشافي فوائد تخص المجالات النفعية والتطبيقية، وذلك حين يعمد العقل إلى سحب نتائج التجريب على ميادين العمل والاستخدام..
بيد أن الفلسفة ظلت عبر العصور – لا سيما العصر الراهن - تناهض المسلّمات حتى في مضمار العلم الرياضي الدقيق، وتسعى إلى تجاوزها، ولذلك، وبسبب خاصيتها الاستفزازية تلك فقد تناوشت مع الدين، بل و تعارضت معه، في بناءات فكرية عديدة، ودخلت معه في علاقة عداء سافر، خاصة في العصور الوسيطة حين كانت الكنيسة تتعصب لفرض معتقداتها وحجْب الرؤية عن أنظار الناس..
على أن الفلسفة الاسلامية استطاعت أن تتكيف مع الدين، وأن تتماهى إلى حد في التوحيد، وأن تتلافى كثيرا مما كانت الروح الوثنية الإغريقية العالقة بها، تنضح به من حسية وتشخيص وسببية صماء ..