فالنجاحات الإنسانية المادية لا يمكن أن تقوَّمَ على أنها شهادة إثبات لاستقلالية الإنسان وسيادته ومطلقيته .. فما يتحقق للبشر من نفاذ عملي لابد وأن يكون برهانا على تبعية الفرد لخالقه .. فمعايير الذات، وتقديراتها، وافتراضاتها، ليست مقياسا صحيحا للحقائق.. إذ لو كانت كذلك لما تردد الإنسان في اختيار المصير الذي لن يكون – بالضرورة – مطابقا للمصير القدري الذي حدد للكائن الحي والمتوج بالموت
.. من هنا أضحى من العبث أن يتوق الإنسان بفكره وجهده إلى ما هو خارج دائرة قدرته البشرية، إذ أن التفكير في تحوير وهندسة ما قدر الله من موت وحياة وشقاء وسعادة وألم وأمل، هو من الأعباء التي لا يخرج منها الانسان بطائل..
وليت شعري أي مصير كانت ستتمكن الإنسانية من التوافق عليه، وأي وجهة تنشدها، وأي سبيل تطرقها مجتمعة أو فرقاء ، لو أن أمر تحديد المصير كان من شانها وبيدها؟ ..
" فيا أيها المشتكي من أنت حتى تعترض وتصيِّرَ هوسك الجزئي مهندس كليات الكائنات، وتجعل ذوقك الفاسد مقياس درجات النعم ؟ وما يدريك لعل ما تراه نقما هو عين النعم؟ ومن أنت حتى يغير حركة دواليب العالم ..لتسكين هوسك الذي لا يوازي جناح البعوضة ولا يملأ نواة التينة ؟. لكن لك أن تشتكي إليه لا منه .." (1)
الفلسفة
الفلسفة مراس فكري مغلق لا يوطد قناعة إيمانية، ولكنه يهارش نوازع الشك والحيرة في روح الإنسان
(1) المثنوي العربي النوري ص 320.