وهذا المفتاح هو العقل والروح التي قبست من نور ربها ما تسترشد به في إضاءة أنفاق النفس والحياة.. لكن الإنسان غفل عن شحن مصباح العقل من بطارية الإيمان، فبهت النور، وباتت الرؤية شبحية لا تستوثق من شيء، وبات عليه أن يسير متحسسا الخطو، لا يكاد يسلم من عثرات، يلوب في دائرة مظلمة، ويحسب أنه يمضي قدما..فما أشد غرور الانسان الضال..
فقيمة كل نفس تكمن في ما تحوز من أسباب السمو والإيمان .. بل إن قيمة الكون ذاته إنما مدارها على ما تهيئه من انصياع إلهي، وتسبيح إيماني.. والإنسان يكتسب قيمه من ثقافته ومن مصادر تنويره، من هنا اختلفت الاستجابات الروحية باختلاف المؤثرات الثقافية والفكرية ..
" كما أن قيمة الانسان المؤمن قيمة ما فيه من الصنعة العالية، والصبغة الغالية، ونقوش جلوات الأسماء، وقيمة الإنسان الكافر أو الغافل قيمة مادته الفانية الساقطة، كذلك قيمة هذا العالم تزيد بلا نهاية - إن نظر إليه بالمعنى الحرفي وبحسابه سبحانه - كما علم القرآن . وتسقط قيمته إلى درجة المادة المتغيرة الجامدة - إن نظر إليه بالمعنى الاسمي وبحساب الأسباب- كما علمته الحكمة الفلسفية . فالعلم المستفاد من القرآن أعلى وأغلى بما لا يحد من العلم المستفاد من فنون الفلسفة". (1)
العقل وقوانين العلة والإدراك
لقد أوقع الإنسان المدني المعاصر في الخطإ والخطيئة اعتقاده أنه اجتاز - بما حقق من مكاسب وما أحكم من أهلية تنفيذية - عتبة الوصاية، وأنه بات مستقلا بإرادته عن سلطان الغيب..
بل لقد بدت له حقب الإيمان مجرد ذكرى مفعمة بالسذاجة ،لا تثير في نفسه إلا البسمة والسخرية من ماضيه البدائي .. لقد اعتد بالعقل الأغلف، ودان له، وفَصَلَهُ على قوامته الإلهية التي هيأته للانسان وجهزته به كي يكون له نبراسا ودليلا .
(1) المثنوي العربي النوري ص 378.