تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

".. إن من أعاجيب فطرة الانسان في وقت الغفلة، التباس أحكام اللطائف والحواس ..(كتوهم المجنون شيئا قريبا من يده وهو بعيد أو خيالي).

فالإنسان الغافل الذي لا تصل يد اقتداره إلى تنظيم أدنى جزء من أجزاء نفسه، يتطاول بغروره وبسعة خياله إلى الحكم والتحكم في أفعال الله في الآفاق.. وكذا من أعجب فطرة البشر أن أفراده مع تقارب درجاتها في الصورة الجسمية، تتفاوت معنى بدرجات، كما بين الذرة إلى الشمس، إلى شمس الشموس، خلافا لسائر الحيوانات، إذ هي مع تفاوت أفرادها في الصور الجسمية، كالسمك والطير، تتقارب في قيمة الروح، فكأن الانسان الذي قام من مخروط الكائنات في حاق الوسط، منه إلى الذرة، ومنه إلى شمس الشموس سواء . إذ لم يُحَدَّدْ قواه ولم تُقَيَّدْ، أمكن له أن يتنزل ويتسفل بـ(الأنانية) إلى أن يكون هو والذرة سواء . وكذا جاز له أن يتجاوز بالعبودية وبترك ( أنا )، ويتصاعد بإذنه تعالى إلى أن يصير بفضل الله كشمس الشموس مثل محمد عليه الصلاة والسلام". (1)

فالخالق فطر الإنسان على حب التسامي واستشراف آفاق الغيب والشهادة، إذ أودع فيه طاقة من الروح والعقل مكنته من تحقيق الفتوح، كما جعل السداد حليفه أينما ولى وجهه وحيثما أخلص النية وأصل العزيمة.. لكن الإنسان الجحود ما أسرع ما تغويه انجازاته التي هي في حقيقتها توفيقات من الله، فيضل ويجور..

فقد " خلق الله الانسان ليكون كاشفا وبرهانا لكنه استحال حجابا وسدا " (2). ذلك لأن "الخالق أودع في يد الانسان مفتاحا ".(3)

(1) المثنوي العربي النوري ص 231.

(2) المثنوي العربي النوري ص 303

(3) المثنوي العربي النوري ص 327.

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٧١