ونفس الرأي ذهب إليه الفيلسوف الوجودي سيوران، إذ قال : إن المدنية تعلمنا كيف نتعلق بالأشياء، مع أن من واجبها أن تلقننا فن التخلي عن الأشياء، لأنه لن توجد حرية ولا حياة حقيقية بدون تعلم التخلي وعدم الامتلاك . إني أستولي على شيء وأحسب نفسي سيدا له، والواقع أني عبد له، كما أني عبد أيضا للآلة التي أصنعها وأديرها.. "
وهذا هو بالذات ما أجمله النورسي، ولكن من خلال بصيرة قرآنية، حين تحدث عن آليات المدنية المعاصرة، قائلا :
" إن المدنية الفاسقة أبرزت رياء مدهشا يتعذر الخلاص منه على أصحاب المدنية، إذ سَمَّتْ الرياء بـ ( شان وشرف )، وصيرت المرء يرائي للملل ويتصنع للعناصر كما يرائي للإشخاص، وصيرت الجرائد دلالين له، وجعلت التاريخ يصفق ويشوق بالتصفيق، وأنست الموت الشخصي بحياة العنصرية المتمردة بدسيسة الحمية الجاهلية الغدارة.." (1)
بل لقد اعتبر النورسي داء الأنانية من أخطر ما أصاب الإنسان المادي من علل جردته من إنسانيته، بعد أن ركن إلى اعتداد مَرَضي بذاته، أضحى به أشد المخلوقات ممارسة للظلم، ظلم نفسه، وظلم غيره، وهو ما سجله النورسي بقوله :
"إن أظلم الخلق هو الإنسان، فانظر ما أشده ظلما . فلشدة حبه لنفسه لا يعطي الأشياء قيمة إلا بمقدار خدمتها لنفسه، وينظر إلى ثمرتها بمقياس نفعها للإنسان، ويظن العلة الغائية في الحياة عين الحياة . كلا، إن للخالق في كل حي حِكَمًا تدق عن العقول". (2)
ومما أثبته النورسي في هذا السياق، تفاوت قيمة الأفراد بتفاوت عقولهم ونفوسهم بخلاف أجناس الحيوانات، إذ أنها - كما يقول -على تفاوت صورها، فهي متدانية في قيمة أرواحها، في حين تتباعد الفوارق العقلية بين بني البشر، وذلك بسبب ما هيأ الخالق للانسان من انفساح عقلي وروحي لأن يكون برزخيا، وذلك متى استمسك بالعروة الوثقى :
(1) المثنوي العربي النوري ص 309.
(2) المثنوي العربي النوري ص 311.