تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد سارت المدنية الفاسقة - كما يقول النورسي - بالانسان نحو طريق الإستعباد المادي والسخرة الروحية .. ذلك لأنه بدل أن تهيئ الإرتقاءات الحضارية والصناعية والمعرفية فضاء من الإيمان يؤكد اللحمة بين الخالق والمخلوق، استيثاقا لمسيرة تطوره، فإن المنجزات المدنية المعاصرة قد طفقت توسوس للإنسان الحديث - من خلال ثقافة التجهيز والتسليح الماديين -أن يعتد بمكاسبه وبقدراته، فانساق - بذلك - وراء روحية تكديس الأشياء والمتع، وغفل عن خالقه، معولا في تحدياته على ما تصنع يداه، وما تبتكر قريحته، متنكرا لصانعه ومصوره، فلم يُعَتِّمْ بذلك الانزلاق أن انحدر إلى مستوى خنوعي مقيت، إذ أضحى عبدا لمُثُل أفرزتها الآلة والتعاملات الماركوتينغية، فانغمس في ثقافة (الأجَنْدات)، ونسي مواعيده الروحية التي قررها له الدين، وبات أمر القيم والمقدسات صدى لا يحرك فيه شعورا..

بل لقد تحول الانسان المعاصر بقابلية التقديس وأضفاها على عالم الكسب والهيمنة، وانْتصَبَ يعبد رمزيات أخرى، أنتجتها دوائر الإلحاد وصالونات العرض، وتجارة الجنس، ومرافق البورسة التي جردت الإنسان من نبله، وأحالته فاعلية محمومة من الشراسة والظمإ إلى الكسب الخسيس، و جعلته يكاد يصير مجرد قوة صماء من الغرور والتدني .. وذلك ما استشعر وطأته الخطيرة حتى عقلاء الغرب من غير المتدينين ..

يرى الفيلسوف جونتر اندرز الألماني أن الانسان يميل شيئا فشيئا إلى تصور نفسه في ضوء نتاجه التقني والصناعي، لينتهي به ذلك التصور الذي يقارن فيه بين نفسه وبين الآلات التي يبتكرها، إلى الحط من قدر نفسه بقدر ما يزيد من تقديره لكفاءة آلاته ودقتها وكمالها، لكن مثل هذا التصور من شأنه أن يأتي بنتائج أخلاقية ذات أهمية خطيرة، لأن مثل هذا التقدير - أو التحقير - لشأن نفسه، يفضي إلى النفي الجذري لسمو الروح على الجسم".(1)

(1) بدوي م.س .209

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٦٩