"فمن دلائل عمى كثير من الفلاسفة أنهم يحصرون علم الله في الكليات، ويعطون الطبيعة قدرة الإيجاد. فقد ادعت طائفة من الفلاسفة ".. أن علم الله لا يتعلق بالجزئيات .. ومنحت الفلسفة قدرة التأثير للأسباب وأعطت الطبيعة العاجزة، الجامدة، قدرة الإيجاد والابداع.. وعجزت الفلسفة من جهة أخرى عن أن تستوعب مبدأ الحشر، فأنكرته وادعت أزلية الأرواح . وهكذا يمكنك أن تقيس سائر مسائل الفلسفة على هذه الخرافات السخيفة..".(1)
الإنسان المعاصر عبد المدنية والتقنية
ولا مشاحة في أن النورسي قد اعترف أن الانسان وإن وسعه أن يحظى بالمزايا التي منحها إياه الله، فمكنته من أن يكون سيد المخلوقات من حيث قدرة الإختيار وممارسة إرادته، إلا أن تلك المزايا تظل قاصرة عن أن تكفل له نيل كل ما يريد أو حيازة سائر ما يتوق إلى احتيازه، وتلك هي الدائرة التي تكشف حدود بشرية الانسان، إذ هو بكل قابليات التحدي التي يتوفر عليها، لا يسعه أن يتجاوز نطاق ما كفله له الله - عز وجل - في مضمار تأكيد الذات وتجسيد الإرادة ..
فالمعبودية تتأكد من هذا الصدد الذي يبدي فيه الانسان عجزه ويعترف فيه بقصوره.. يقول النورسي في هذا السياق :
" الانسان أشرف الأسباب وأوسعها اختيارا، ومع ذلك فإن دائرة اختياره ونطاق اقتداره لا يسع له تحصيل كل ما يشاء".(2)
ومن غير شك أن استحكام عقدة العجز هذه، تتحول عند فيئات من البشر - لاسيما بتحريض مما يسمى فلسفة التمرد - إلى باعث فكري ونفسي للكفر والجحود، فهم بدلا من أن يعالجوا حالة الإحباط الوجودي التي تسكنهم، يروحون ينفسون عن مشاعرهم المتأزمة بالتجذيف وبإظهار العصيان .. وربما فاقمت من حال التمرد الروحي أوضاع الحضارة الراهنة..
(1) الكلمات ص.646.647.
(2) المثنوي العربي النوري ص 270.