"إن (أنا) له وجهان، وجه أخذته النبوة، ووجه أخذته الفلسفة. فالوجه الأول منشأ العبودية المحضة، ماهيته حرفية، ووجوده تبعي، ومالكيته وهمية، وحقيقته فرضية، ووظيفته : صيرورته ميزانا ومقياسا لفهم صفات الخالق . فالأنبياء هكذا نظروا إلى أنا، فسلموا الملك كله لله. وحكموا بأنه لا شريك له لا في ملكه ولا في ربوبيته ولا في ألوهيته، وبيده مقاليد كل شيء وهو على كل شيء قدير. ومن هذا الوجه الشفاف الحي أنْبَتَ الرحيم جل جلاله شجرة طوبى العبودية، فأثمرت أغصانها المباركة .. ثمرات الأنبياء والمرسلين والأولياء والصديقين المتلألئين كالنجوم في الظلمات".(1)
هكذا ينساق الحديث بالنورسي عن الفلسفة ليبحث في مسائل الإنسان، ويحلل مركباته، وليشخص الأسباب التي تجعل النفس البشرية عرضة للزيغ.. لقد أكد النورسي أن الفلسفة إذا لم تتحصن بالمعرفة الدينية المرشِّدة، فإنها تضر بالفطرة وتهز قابلية الإيمان..
الأنا ونوازع الانسياق للخير والشر
ذلك لأن من الأسباب الدافعة لانحراف الانسان عن فطرته، انغماسه في الفكر الجحودي المضل، بل إن من عوامل تحول (الأنا) من حال شفافيتها وغضارتها إلى حالٍ الغلظة والجفاء، تمرسه بالفلسفة المادية، إذ أن ذلك التمرس السيء يجعل (أنا) الفرد ينخرط في غمار وجهة لا أفق لها من التيه الفكري، واليأس النفسي، والغبن الوجودي، والقنوط الروحي المردي ..
وذلك ما عبر عنه النورسي من خلال هذا التشخيص، حيث يقول :
(1) المثنوي العربي النوري ص 329.