ولعله من المناسب أن نذكر هنا بأن هذه الكشوف التي تتحقق للانسانية يوما بعد يوم في مضامير الحياة العلمية المختلفة، قد ظلت تقوي من روح الإيمان، وتهيئ مزيدا من القابليات اليقينية لدى الأوساط العلمية أو الفئات المحتكة بهم، الأمر الذي يعطي الدليل على أن المعرفة الحق، من شأنها - متى سادت - أن تسارع بإزاحة غشاوة الجحود من على بصيرة البشر، وهو ما آمن به النورسي، وتوقعه، وأناط به مستقبل الإسلام ،إذ قدّر أن توسع وانتشار المعرفة العلمية من شأنها أن تلفت الناس بصورة أكبر إلى الإسلام، لأن المعرفة المحصفة هي من مشمولات القرآن ومن مرتكزات الدعوة الإسلامية، النورانية، المبرأة من كل تلبيس أو تدليس..
فلسفة الأنا
أَنَا الإنسان .. بعيدا عن منطق الحلول والتأله
خلق الله الانسان وأحله محل التكريم والاجتباء، وزوده بملكات عقلية وبماهية روحية اعتبرت مفتاحا ينفذ به إلى فهم مغاليق هذا الوجود المترامي من حوله..
وإذا كانت المعرفة التي يكتسبها الانسان في هذه الحياة هي في ذاتها أحد مظاهر قدرة الله وعظمته التي هيأت المخلوق لأن يستوعب من الحقائق والخبايا ما يدهش ويثير العجب، فإن الذي يُعَدُّ حقا مثار العجب هو انحراف الإنسان عن جادة الصواب وجنوحه إلى الكفر وجحود نعم الله وما هيأ له من أفضال وقابليات مكنته من أن يسود الكائنات ومن أن يمضي مصعدا سيادته على الكون والطبيعة إلى حدود لا تعرف التوقف..
من هذه المفارقة اعتبر النورسي ( أنا ) الإنسان مفتاح خير، لأن هذا الأنا يظل بلصوقه بالنبع الإلهي، يستمد من إيمانه الوهج الروحي والطمأنينة القلبية.
كما اعتبر النورسي هذا الأنا من جهة ثانية مفتاح شر، وذلك لما تعرض الإنسان من أسباب تحرفه عن الهدى والصواب، وهو ما يقطع صلته بالخالق ويطفئ من أعماقه شعلة الإيمان..