تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا الإنسان المؤمن لا تختلط عليه الرؤى ولا تتشابه حياله السبل في تمييز الأشياء وتحديد مصدرها، إذ كل ما يحتويه الكون هو من صنع الله ومن قدرته..

ولا يمكن أن يَقَرَ في خَلَدِنا أن إحالة الموجودات على الخالق – عز وجل – هو تنصل فكري ينم عن سلبية وانصياع بليد يتحاشى الخوض في مسائل غيبية لا يتأهل لها إلا العقل الحي .. ذلك أن مسألة الإيمان قد ظلت مدار معركة يومية لدى ذوي البصيرة، لأن الحياة بالقياس إليهم إنما هي مواجهة دائمة ومتواصلة مع الحقائق الاعتبارية التي يمور بها قلب الانسان ومع هذه الظواهر والتجليات الكونية ..

من هنا يصح أن نعتبر الجحود - لا الإيمان - هو الموقف التنصلي، السلبي، الذي يعجز عن تجاوز عتبة الحيرة التي يبعثها الواقع الشاخص حيالنا .. الواقع الذي لا تعرف كل نفس كيف تستأنسه وتستنطقه وتستجلي حقيقته ومقوماته الكامنة فيه ..

فمن شأن الجاحدين – في كل عصر - أن يصرخوا في وجه الناس متذمرين، مستفزين، معلنين بأن لا حقيقة وراء هذا الكون إلا العدم واللامعقول، وأن لا مآل هناك إلا المآل الدماري الذي سوف يعصف بالعوالم يوما ما وينهي اللعبة..

إنها عقلية العبث القاصرة التي تحصر تجربة الوجود في هذه الرؤية الدمارية العقيمة ،وفي وجود يمضي مهرولا بالإنسانية - مؤمنة وملحدة - على طريق نضال لا شك أن ثماره الإعلائية، المجسدة لموثق الإستخلاف الذي عقده الرب - سبحانه وتعالى لعبده - لا تفتأ تتجلى باطراد لكل ذي عقل وبصيرة، من خلال الكشوف والمكاسب والمزايا التي يتلاحق تحققها للإنسانية بتوفيق من رب العالمين..

رسائل عن النورسية · الصفحة ١٣٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ١٣٦٣