ومن هنا كانت رؤية المؤمن إلى الموجودات حرفية، إذ أنها نظرة متعلقة بمصدر الوجود تدل على معنى في غيرها.. وكان رؤية الكافر إلى تلك الموجودات قصدية، اِسمية، إذ أنه لا يراها إلا هي، ولا يلمس فيها إلا دلالتها على نفسها..(1).
ومن هنا أيضا جاء الخلل في منهج ومنطق الفلاسفة وفي ما يكتبون، وهو ما لاحظه النورسي بقوله : " ترى كتب الفلاسفة أحكم فيما يعود إلى الكائنات في أنفسها، مع أنها أوهن من بيت العنكبوت فيما يعود إليها، بالنسبة إلى صانعها . وكلام المتكلمين مثلا، لا ينظر إلى المسائل الفلسفية والعلوم الكونية، إلا بالمعنى الحرفي التبعي والاستطرادي وللاستدلال فقط ".(2).
الإنسان
أنا البشر متعدد، لذا تعددت طرقه ورؤاه للحقيقة
يقرر النورسي أن منزلة الإنسان وحقيقة إنسانيته إنما تتكرسان بالإيمان عندما يمازج القلب ويشيع فيه الطمأنينة والوثوق بالمصير..
فـ" إكسير الايمان إذا دخل في القلب يصير الانسان جوهرا لائقا للأبدية والجنة، وبالكفر يصير خزفا فانيا . إذ الإيمان يرى تحت القشر الفاني لُبًّا لطيفا رصينا، ويرى ما يتوهم حبابا مشمسا زائلا، ألماسا متنورا . والكفر يرى القشر لُبًّا فيتصلب فيه فقط، فتنزل درجة الانسان من الألماس إلى الزجاجة، بل إلى الجمد". (3)
إن اختلاف نظرة البشر إلى الحياة وإلى الغاية من هذا الوجود الذي يمخرون عبابه ، هو ما يضفي على الحياة قيمتها الحق ويحدد صورتها وماهيتها..
ومما لا ريب فيه أن ما أحال الإنسان المادي إلى عبد للغريزة، وقنٌّ للأهواء، إنما هو خلو قلبه من القيم القدُسية التي ترتفع به نحو الأسمى والأطهر..
على خلاف الإنسان الروحاني، الموحد، المقر لله بالألوهية وبأنه مصدر ومِلاك أمر هذا الوجود..
(1) المثنوي العربي النوري ص 404
(2) المثنوي العربي النوري ص .404
(3) المثنوي العربي النوري ص 158.